|
المنهج في رواية الأخبار
أمة الإسلام تمتلك بفضل الله أعظم منهاج في تنقيح الأخبار والمرويات ، وقد بين الأئمة رحمهم الله هذا المنهاج على أسس قويمة وضوابط علمية دقيقة لا لبس فيها ولاغموض فميزوا بين الصحيح والضعيف من المرويات وبين الثقات والمجروحين من الرواة بكل تثبت وإنصاف ، بعيدا عن الأهواء الشخصية والتعصبات المذهبية .
فنحن اليوم بحاجة إلى تطبيق هذا المنهج لكي يتضح الطريق ونعرف الحق من الباطل ونميز أقدار الرجال ومنازلهم ورحم الله الإمام مالك حين قال ( مافي زماننا شيء أقل من الإنصاف ) وكيف نقول نحن إذا في زماننا .
أيها الأخوة:
من المنهج الصحيح التثبت في قبول الأخبار قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصحبوا على ما فعلتم نادمين ) وفي قراءة ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا ) .
إذا فالتثبت والتبين هو الأصل الذي يبني عليه نقل الخبر والتأني ثم التحري في صحة النقل دليل على الفطنة وكمال العقل فالتثبيت من كل خبر ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة قبل الحكم عليها ، هو دعوة القران ومنهج الإسلام الدقيق ومتى استقام القلب والعقل على المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في العقيدة ولم يبق مجال للظن والشبهة في الحكم على الأشخاص والتعامل والتسرع في رواية الأخبار أو تلقيها سوف يؤدي في كثير من الأحيان إلى إلحاق الظلم ببعض الناس .
فعلى المسلم أن يعتمد الطريقة الشرعية للحصول على الحقائق فهي كفيلة لرد كثير من الأخبار وتمحيصها ومن ذلك الاعتماد على ضبط الناقل وصحة فهمه فقد يكون الرجل صالحا لكنه غير حافظ ضابط .
قال الإمام مالك رحمه الله ( أدركت بهذه البلدة أقواما لو استسقى بهم المطر لسقوا قد سمعوا العلم والحديث كثيرا ماحدثت عن أحد منهم شيئا إنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد وهذا الشأن يعني الحديث ــــ يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة وإتقان وعلم وفهم فيعلم مايخرج من رأسه ومايصل إليه غدا ، فأما رجل بلا إتقان ولامعرفة فلا ينتفع به ولاهو حجة ولايؤخذ منه ) .
ومن الناس من يسمع الخبر ثم ينقله على غير وجهه ليس من باب الكذب والخيانة ولكنه لم يستطع أن يفهم الكلام على وجهه الصحيح .
قال شيخ الإسلام: ( وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم وسائر مابه يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس ويتعذر على بعضهم .
ومن المنهج الاعتماد على القرائن في قبول الأخبار وردها .
قال ابن القيم رحمه الله :( والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد أحدهما أعظم الباطل ويريد بها الآخر محض الحق والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه ومايدعوا إليه ويناظر عنه ) .
وقال الإمام السبكي: ( فإذا كان الرجل ثقة مشهودا له بالإيمان والاسقتامة فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ماتُعوّد منه ومن أمثاله بل ينبغي التأويل الصالح وحسن الظن الواجب به وبأمثاله ) . ومما يؤثر على صياغة الخبر ونقله ويوجب التحري أن الناقل للخبر يخلط معه رأيه وتحليله له حتى يظن السامع أن كل ما نقل إليه هو الخبر .
ومعلوم أن الخبر الواحد يمكن أن يروي على سبعين وجها ويستطيع الناقل أن يتخير أحسن الألفاظ واعفها كما أنه يستطيع اختيار أقسى الألفاظ وأفحشها فاللغة التي يصاغ فيها الخبر تؤثر تأثيرا بالغا على الملتقى سلبا وإيجابا .
ومن المنهج حسن الظن لأن من الناس من يطلق لنفسه العنان للقدح في الآخرين واتهام نياتهم ومقاصدهم ولهذا سوء الظن يجعل الإنسان يتجه اتجاها مغايرا لما أراده الناس ويتم تفسير الكلمات والوقائع والأخبار بناء على خلفيات نفسية مبيّتة فيفرع كل كلمة من مضمونها ويملؤها بمعان أخرى عديدة ليست من مدلولها .
والله تعالى أمرنا باجتناب الظن فقال ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) وقال صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) .
بينما ترى المرء الذي يحرص على إحسان الظن بإخوانه المسلمين ويلتمس لهم المخارج يمتلئ قلبه حبا للآخرين وإشفاقا عليهم ورحمة بهم .
وبهذا يبرز لنا ملمح آخر من ملامح هذا المنهج وهو التماس العذر لأهله .
فالمسلم إذا سمع خبرا لم تطمئن له نفسه فيجب أن يظن بصاحبه خيرا ويحمل ماسمعه وما قرأه على أحسن المحامل الممكنة ولايترك للشيطان فرصة العبث بينه وبين أخوانه المسلمين ولهذا قال عمر: ( لاتظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوء وأنت تجد لها في الخير محملا ) .
وقال ابن سيرين: ( إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا فإن لم تجد فقل لعل له عذرا ) .
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ( أصلحك الله لاتكونن منك العجلة وتثبت في الفتيا فإن أنكرت شيئا مما أذكره لك فسل عن تفسيره إن كنت مناصحا فرب كلمة يسمعها الإنسان فيكرهها فإذا أخبر بتفسيرها رضي بها ولاتكونن كالذي يسمع الكلمة فيكرهها ثم يغتنمها إرادة الشين فيذيعها في الناس ولايقول عسى أن يكون لهذه الكلمة تفسير ووجه وهو عدل ولا أعمله أفلا أسأل صاحبي عن تفسيرها أو لعلها كلمة جرت على لسانه ولم يعتمد لها فينبغي لي أن أثبت ولا أفضح صاحبي ولا أشينه حتى أعلم ما وجه كلامه ) .
ومن المنهج سلامة الصدر وهي الصفات الكريمة النادرة التي تعمر قلب المؤمن بالأمن والطمأنينة والراحة وتدفعه إلى العمل والإنتاج بعيدا عن الأهواء والأحقاد التي تكبل المرء بآسار ثقيلة لايتخلص منها إلا من هدى الله ورحم . ألا ما أسعد الإنسان حينما يطهر قلبه وتصفو نفسه من أدران الغل والحقد والحسد وحينما يدفع السيئة بالحسنة ويدعوا لإخوانه المسلمين ويسأل الله عز وجل لهم الهداية ويتذكر قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون ) .
قال شيخ الإسلام ( هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لا أتعدى حدود الله فيه بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس وحاكما فيما اختلفوا فيه.
ومن ملامح المنهج الستر عل المسلمين فإن الذي تنشره حقا ألم يأمر الله بالستر ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لايستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ) .
د.أحمد بن صالح الطويان |