|
أهمية الولاية
بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأكمل لأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعله على شريعة من الأمر وأمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون وجعل كتابه مهيمناً على مابين يديه من الكتب ومصدقاً لها وجعل له شرعة ومنهاجاً وشرع لأمته سنن الهدى ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد كتاب يهتدى به وحديد ينصره كمال قال تعالى ( لقد أرسلنا لرسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) فالكتاب به يقوم العلم والدين والميزان تقوم به الحقوق والعدل والحديد به تقوم الحدود والجهاد على الكافرين والمنافقين ، فالقوة تقوم بالولاية الشرعية والخلافة والإمارة والسلطان ، فحاجة الناس للولاية والسلطان أشد من حاجتهم للطعام والشراب لتأمن السبل وتؤدى الفرائض وتقام الحدود ويحكم بشرع الله وتجتمع الكلمة ويتوحد الصف وتقام الجمع والجماعات والحج والأعياد والجهاد ويحفظ القرآن ويتعلم العلم .
قال شيخ الإسلام: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها لأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روى أن السلطان ظل الله في الأرض ويقال ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان والتجربة تبين ذلك .
فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب لها إلى الله فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات .
فالولاة تحفظ بهم بيضة الإسلام وشعائر الدين ويعز الله به الأمة وينتظم أمرها وما يقومون به من الحسنات الظاهرة والعامة التي تنفع الأمة يحصل بهم اجتماع الكلمة ووحدة الصف والواجب على كل مسلم القيام بحقوقهم التي أوجبها الله عز وجل على سائر الأمة للولاة ، فالسمع والطاعة بالمعروف ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) .
وقال صلى الله عليه وسلم :( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)م.
قال شيخ الإسلام: ( فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد وطاعة ولاة الأمر واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم فماله في الآخرة من خلاق .
وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالغلاة يمنعه من ابن السبيل ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر محلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفا وإن لم يعطه منها لم يف ) .
وقال حذيفة بن اليمان: ( ما من قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا) ومن حق الوالي إكرامه وإعزازه قال أبو بكرة رضي الله عنه :( من أجل سلطان الله أجله الله يوم القيامة وقال من أهان سلطان الله أهانه الله ) وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( السلطان ظل الله في الأرض فمن أكرمه أكرمه الله ومن أهانه الله ) .
قال ابن تيمية :( السلطان عبدالله مخلوق مفتقر إليه لا يستغني عنه طرفة عين وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير من ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي بها قوام الحق ما يشبه أن يكون ظل الله في الأرض وهو أقوى الأسباب التي يصلح بها أمور خلقه وعباده فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس ) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي السلطان المقسط ) د .
ومن حق الوالي الدعاء له حياً وميتاً قال صلى الله عليه وسلم ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم ) .
وقال الفضيل بن عياض :( لو كان في دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في إمام قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي قال: متى صيرتها في نفسي لم تجزني ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد ) .
قال المروزي: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل وذكر له الخليفة المتوكل فقال :( إني لأدعو له بالصلاح والعافية ) .
وأملى الإمام أحمد رحمه الله على ابنه عبدالله كتاباً لأمير المؤمنين وختمه بقوله: ( وإني أسأل الله عز وجل أن يطيل بقاء أمير المؤمنين وأن يثيبه وأن يمده منه بمعونة إنه على كل شيء قدير ) .
قال في شرح السنة: ( إذا رأيت الرجل يدعوا على السطان فاعلم أنه صاحب هوى وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله ) .
ومن حقوق الوالي النصيحة له سراً قال صلى الله عليه وسلم ( ثلاثة لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لولاة الأمر ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه)
وقال ابن رجب: ( فأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعة الله ، ومعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق .
وكان السلف رحمهم الله يجلون الولاة والأمراء والخلفاء ، لمعرفتهم لفضلهم وأثرهم على الأمة .
قال ابن المبارك
الله يدفع بالسلطان معضلة عن ديننا رحمة منه ورضوانا
لولا الأئمة لم نأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
وقال عبدالرزاق كنت مع الفضيل بمكة فمرّ هارون الرشيد فقال الفضيل الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعزَّ عليَّ منه لو مات لرأيت أموراً عظاماً .
وعن عمار بن ليث الواسطي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول ما من نفس تموت أشد عليَّ موتاً من أمير المؤمنين هارون ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره فكبر علينا ذلك فلما مات هارون وظهرت الفتن قلنا الشيخ كان أعلم بما تكلم .
أيها الأخوة:
موت الولاة صدع في الأمة وثلمة في الوحدة ، ففقدهم عظيم والمصيبة بهم خطب جسيم ، وقد افتقدت البلاد إمامها وولي أمرها ، فاهتز كيانها وعظم خطبها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ( اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها ، واغفر له ونور له قبره وافسح له فيه واجعله روضة من رياض الجنة وجميع موتى المسلمين ومما يخفف المصاب ذاك الثناء العاطر والدعوات الصادقة التي يلهج بها الموحدون لولي أمرهم ، قال الله تعالى ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) وقد فسرت البشرى بثناء المؤمنين .
وقال صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار قالوا بم يا رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السيئ ) أ .
اللهم وفق خلفه للخير وثبته عليه واجعله هاديا مهديا وارحمه وارحم به واجعله رحمة للبلاد والعباد وانصره بالحق وانصر الحق به .
فنحمد الله على اجتماع الكلمة ووحدة الصف وحسن الخلف ونسأله أن يتم علينا نعمه ظاهرة وباطنة ونحمد الله على ما مَنْ به من نعمة إتباع السنة في الصلاة على إمام المسلمين ودفنه فتلك من مظاهر التوحيد والسنة .
ونحمده بما تمت به البيعة على الكتاب والسنة ، وما حصل منه الاجتماع والمحبة والألفة ونبذ الخلاف والفرقة .
واختفاء مظاهر البدع والشقاق والافتراق والفوضى والاضطراب مما يؤكد أصالة هذه البلاد في أهلها وولاة أمرها وإتباعهم نهج السنة وإتباع الشريعة وتلك رسالة للعالم كيف تكون معالم التوحيد ، فقد ظهرت تلك السنن النبوية أمام العالم بأسره تلك دعوة للعقيدة الصحيحة النقية ودعوة لمنهاج النبوة ورسالة أخرى كيف تم الولاء والطاعة والبيعة بأسلوب أظهر التآلف والمحبة وتميز بالقبول والمبادرة في وقت ظهرت فيه مظاهر الفوضى والقتل والاضطراب في بقاع أخرى.
فتلك بلاد الحرمين ومهبط الوحي ومنبع الرسالة دستورها القران ومنهجها الإسلام وشعارها النصيحة والدعاء لولي أمرها فحمداً لك اللهم على ذلك
كبت عدونا وجمعت أمرنا ووحدت صفنا فاللهم ارحم واغفر لولي أمرنا وأجزه عن الإسلام خيرا ، وأعن ووفق من وليته أمرنا اللهم أعنه وثبته وسدده وأحفظه وأمده بتوفيقك وتأييدك واجعله من أنصار دينك وحملة رسالتك .
أيها الأخوة:
البيعة سنة قائمة وهدى نبوي فقد بايع الصحابة الصديق وعمر وعثمان وعلي وسائر الأئمة .
فمن لم يستطع البيعة بنفسه فيكفي النية في الدخول في السمع والطاعة واعتباره إماماً وولياً له الحقوق الواجبة في الشريعة .
وليحذر المسلم من التساهل من عدمها فإن من نزع يداً من طاعة مات ميتة جاهلية .
ومن مات وليس في رقبته بيعة فقد خلق رقعة الإسلام من عنقه كما نطق بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .
د.أحمد بن صالح الطويان |