| الخلاف والتنازع
فإن أمراض الأمة المسلمة قد تعددت وتشعبت وفشت ولعل من أخطرها الاختلاف والتنازع الذي كان سببا في اختلاف الأمة وظهور الضعف ونقصد بالخلاف المبني على الأهواء ، أما الخلاف المبني على الحق فإن هذا جاءت به الشريعة .
ولكن ممن يجب التنبيه عليه أن كثيرا من المختلفين يرون أنهم على الحق وغيرهم على الباطل .
قال الله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) وقال الله تعالى ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) وقال تعالى ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيا بينهم ) وقال تعالى ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) .
أيها الأخوة في الله:
لقد كان الخلاف بين الصحابة في المسائل العلمية لايتعدى أن يكون خلافا في الاجتهاد لايصل إلى القلب ولايصل إلى استحلال العرض فضلا عن استحلال الدم ولقد رباهم المصطفى صلى الله عليه وسلم عل التآلف وترك الاختلاف فقال صلى الله عليه وسلم ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) .
قال ابن مسعود رضي الله عنه ( الخلاف شر ) وقال صلى الله عليه وسلم ( إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب ) وقال ( لا تختلفوا فإن من قبلكم اختلفوا فهلكوا ) .
بهذه النصوص وغيرها كان خلاف الصحابة خلافا في الاجتهاد فلم يجر هذا الاختلاف قطيعة وتنازعا وتطاحنا وهكذا درج من بعدهم من الأئمة فكانوا يصوبون المصيب ويستغفرون للمخطئ ويحسنون الظن في الجميع وأراد الخليفة المنصور أن يلزم الناس بكتاب الموطأ للإمام مالك رحمه الله فقال يا أمير المؤمنين لاتفعل هذا فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد فهم لأنفسهم فقال الخليفة وفقك الله يا أبا عبد الله فكان الخلاف لم يؤثر في نفوسهم ولم يوجد في قلوبهم الكراهية لبعض بل كانوا يثنون على بعضهم ويذكرون بعضا بالمحاسن والفضائل ويترحمون على الأموات ويستنفرون لهم .
قال عبدالله ابن الإمام أحمد قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني اسمعك تكثر الدعاء له فقال يابني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فانظر هل بهذين من خلف أو عوض وبعد هذه القرون المفضلة ، كثر الاختلاف والتعصب للمذاهب واختلاف الناس .
أما بعد ضعف الأمة وتفككها فالخلاف صار أعظم وأشد خطرا بل صار الخلاف مبنيا على البلد والتراب والعرق واللون واللغة والأحزاب والتجمعات إلى غير ذلك .
أيها الأخوة:
أما الخلاف في العصر الحاضر والوقت الراهن فهو اختلاف واسع النطاق متعدد الأطراف وليس الحديث عن اختلاف أهل السنة والجماعة مع الفرق الضالة كالرافضة والأشاعرة والمعتزلة والخوارج ، ولكن نتكلم عن الخلاف بين أهل السنة أنفسهم على مسائل يسع الخلاف فيها والإجتهاد فكانت هذه المسائل سببا لاختلاف القلوب واستحلال الأعراض واتهام النيات والقدح في الأشخاص فاختلاف في وسيلة من وسائل الدعوة ، أو في مسألة علمية ، أو مسألة اجتهادية مستجدة ، أو في موقف معين ، تجد مَنْ يجعل الخلاف في هذه المسائل سببا في التفرق والاختلاف والتنازع وطريقا إلى الضعف والسقوط إننا نرى وبحرقة ونسمع أن هذا الخلاف قوّض أركان المحبة في القلوب وهدم بناء الأخوة الإسلامية فإلى الله المشتكى .
أيها الأخوة:
إن الخلاف في العصر الحاضر إنما هو مبني على الهوى وإتباع النفس والاعتداد بالرأي والجهل بالعلم الشرعي الحقيقي وضيق الأفق وعدم النظر في العواقب الوخيمة للخلاف وإن تضخيم بعض المسائل وتحجيمها والموالاة من أجلها والعداء من أجلها كان له أثره الكبير في الاختلاف والنظر إلى المخالف بنظرة إساءة الظن منه واتهامه بالجهل وإتباع الهوى جعل الأمر أشد خطرا ونحن نقول لهؤلاء أنكم بذلك تهدموا جدار الوحدة والأخوة والاعتصام والله سبحانه وتعالى أمر المتنازعين بالرجوع إلى الكتاب والسنة ( فإن تنازعتم فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرا وأحسن تأويلا ) .
والرجوع إلى الكتاب والسنة ليس بفهم المخالف وإنما بفهم السلف الصالح وفهم أئمة الدين . أيها الأخوة:
وكثير من الناس يسعى في مسائل الخلاف ويتحمق لها ولا يسعى في مسائل العلم التي تهمه في عقيدته وعبادته ومعاملاته ويسعون في مسائل الخلاف ولايشغلون أنفسهم في الدعوة إلى الخير والاهتمام بإنكار المنكرات.
إننا نشاهد صورا من الاختلاف الذي ينشأ صغيرا ولكن سرعان ما يكبر ويكون له من الأثر البالغ على المجتمع لأنه غذي بالهوى والاعتداد بالرأي ولم يحصل فيه التجرد عن النفس والتجرد عن الهوى .
فالواجب محاربة الخلاف والحث على الاجتماع ونبذ الفرقة والتنازع .
والواجب على العلماء السعي في إخفاء مثل هذه الاختلافات والاهتمام بجمع الكلمة وتوحيد الصف ولاسيما في وقت مثل وقتنا الذي يفرح في العدو باختلافنا وتنازعنا والواجب على كل مسلم أن يكون سببا في جمع الكلمة ولايكون سببا في الاختلاف والتفرق .
أيها الأخوة في الله:
إن اتهام الرأي والنفس والتجرد عن الهوى ، والعلم ومعرفة أحوال العلماء في الاختلاف من أسباب الاجتماع وترك الفرقة وإن إدراك آثار الخلاف ماينتج عنه من اختلاف المجتمع وتفرقة له من الأسباب التي تقودنا إلى طرح الاختلاف والاجتماع ولنحذر من الهوى فهو أصل في الاختلاف وعلينا جميعا أن نطهر النفوس منه ومما ينتجه الهوى الاعتداد بالنفس ورؤية أنه هو صاحب الحق وغيره هم أهل الباطل فهو المصلح وغيره المفسد كما قص الله عن فرعون فقال تعالى ( ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) .
وهو من تغيير الحقائق عند أهل الأهواء ومبتغي العلو في الأرض وكذلك التلقب بالألقاب التي فيها من التزكية للنفس وفيها إظهار الفرقة بين المسلمين .
والواجب على كل من يتكلم في أمر من أمور الدين أن يكون مخلصا لله متجردا للحق وغالبا على نفسه بالمجاهدة عن إتباع الهوى وما تميل إليه من الحظوظ الدنيوية ولذلك جاء في الحديث ( من طلب العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف وجوه الناس فله من علمه النار ) ت .
وصاحب الهوى يعميه هواه ويصمه فلا يستحضر ما لله ورسوله ولايطلب ذلك ولايرضى لرضاء الله ولايغضب لغضب الله بل يرضى إذا حصل مايهواه ويريده ويغضب إذا خولف هواه فالواجب البحث عن الخلاف فيما يرضى الله سبحانه وتعالى والواجب العدل والإنصاف ولايدفع بغضه عن الإنصاف والعدل .
ويحرم ظلم الآخرين وإيذائهم والافتراء عليهم وتناقل الكلام دون تثبت الروية ولا رويّة إنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وكثيرا ماينقل عن فلان من الناس وتطير الركبان به فإذا تحققت من الأمر وجدته كذبا لا أصل له فما أخطر الاختلاف على الأمة الذي يوقع الشحناء والبغضاء والتقاطع والتدابر وإثارة الفتن والشبهات وإن من أعظم مقاصد الشريعة الاجتماع والاتحاد والترابط والتراحم ونبذ الفرقة والاختلاف والسعي إلى المحبة والوئام والتناصح والتواد والتحاب .
قال الله تعالى ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ).
د.أحمد بن صالح الطويان |