| التوبة
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ، أحمده تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أنابوا إلى ربهم وسلموا له ، وسلم تسليما كثيرا .. أما بعد
يقول الله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) .
هذه صفة الأبرار إذا أذنبوا تابوا ورجعوا إلى الرب الغفار .
فالخطأ من صفة البشر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) .
فالإصرار على الخطأ والذنب قبيحا ويكون أقبح إذا صدر ممن توالت عليه النذر ، نذر الشيب وطول العمر ، ونذر القران ، بلوغ رمضان .
أيها الأخوة
ينادي الله عباده ويدعوهم إلى الرجوع إليه ويرغبهم في التوبة ( وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ) يناديهم وإن كثرت ذنوبهم ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم )
ويقول الله في الحديث القدسي ( يابن آدم إنك إن دعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي ، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم إنك لو أتيتني بِقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) .
أيها الأخوة
إن الله تبارك وتعالى يفرح بتوبة عبده فعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاه فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ) .
وفي الحديث ( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم .
أيها الأخوة
أفلا يجدر بنا أن نلبي هذا النداء الكريم بمشاعرنا وجميع أحاسيسنا وواقع أعمالنا ، أفلا يجدر بمن لاح به المشيب وستر له ما كان من ماضيه من عيب ، أفلا يجدر بمن تخطف أقرانه من حوله ومن قد شاركوه في شيء من سفهه تخطفوا على غرة وهم لا يشعرون ، أفلا يجدر بمن رفل في نعم الله التي من أعظمها ستر ما بارزه من عصيان ، أفلا يجدر بهؤلاء وغيرهم أن ينضموا إلى ركب الأبرار الأطهار .
فيا أرباب الذنوب الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة فما منها عوض ولا لها قيمة فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة .
عباد الله
ماذا فاته من فاته خير رمضان وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان .
متى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر متى يعتق من لم يعتق من النار في هذا الشهر ، متى يربح من كان حظه فيه الخيبة والخسران .
فوا أسفا لهذا الغبن ، أن ترى المجتهدين قد بادروا الأوقات واجتهدوا في الطاعات وضوعفت لهم الحسنات وأنت مكب على الغفلات ومنهمك في المحرمات أما يأنى لك أيها المسكين أن تتوب أما يأنى لك أن تقلع عن المعاصي وتؤوب وتستدرك ما فات بما بقى بإصلاح العيوب .
فيا هذا تدارك مواسم الغفران واجتهد في بقية شهر رمضان ، مَعرض النفحات الرب الرحمن .
يا غافلا وليالي الصوم قد ذهبت زادت خطاياك قِف بالباب وابكيها
واغنم بقية هذا الشهر تحظ فما غرسته من ثمار الخير تجنيها
وتب لعلك تحظى بالقلوب عسى أن تبلغ النفسُ بالتقوى أمانيها
وقل : إلهي أنا العبد الذليل وقد أتيت أرجو أجورا فاز راجيها
فلا تكلني إلى علمي ولا عملي واغفر ذنوبي فإني غارق فيها
أيها الأخوة
أما آن للقلوب أن ترجع إلى مولاها وبارئها ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) .
طوبى لمن غسل درن الذنوب بتوبة ، ورجع عن خطاياه قبل فوات الأوبة ، وبادر المُمكن قبل أن لا يمكن ، من رأيت من دنياه مسلم ، ومن شاهدته صحيحا وما سَقِم ، وأي حياة بالموت لم تختم ، وأي عمر بالساعات لم ينصرم ، إن الدنيا لغرور حائل ، وسرور إلى الشرور آيل ، تُردي مستزيدها تؤذي مستفيدها ، بينما طالبها يضحك أبكته ، ويفرح بسلامته أهلكته فندم على زللـه إذ قدم على عمله ، وبقى رهين خوفه ووجله ، وودّ أن لو زيد ساعة في أجله فما هو إلا أسير في حفرته ، وخسير في سفرته .
د.أحمد بن صالح الطويان |