| حصاد العام
الحمد لله الذي جعل الله والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الذي عبد ربه وقال أفلا أكون عبدا شكورا ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه واتباعه إلى يوم الدين .. أما بعد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون .
أيها الأخوة المؤمنون
نحن على نهاية من عام هجري جديد مرّ بأحداثه وهاهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ليودع الأمة راحلا عنها مخلفا تركته من الأحداث التي مرت بالمسلمين وأن في اختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وإن في تعاقب الشهور ولأيام لعبر ومدكر .
عبرة وعظة لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد .
فكم ولد من وليد وكم مات من حيّ وكم مرض من صحيح وكم شفى من مريض وكم افتقر من غني وكم اغتنى من فقير وكم عزّ من ذليل وكم ذل من عزيز وكم فك من أسير وكم أسر من طليق ، وكم ضلّ من مستقيم وكم استقام من ضال وكم شرد من مسلم ومن يتم من طفل وكم هدّم من مسجد وكم حرق من مصحف وكم قتل من قتيل .
أحداث وأحداث.
تمر على كل فرد فيعتبر أولوا الألباب ويغفل أهل الغفلة .
أيها الأخوة
لقد كان في بداية هذا العام قضية المسلمين في كوسوفا وكيف أنهت من تسلط النصارى ولايزال المسلمون فيها يعيشون حياة الذل والقهر والكبت والخوف ونقص من الموارد ، ويعيشون الجهل بدينهم وعقيدتهم وكم مسلم نسي أمرهم وطوى قيدهم من ذاكرته وانطلقت شرارة خمدت وقتا تلك أرض كشمير المسلمة مع الهندوس الوثنيين الذين لايرقبون إلا ولاذمة يعيش المسلمون في قتل وتشريد وخوف وهلع وإبادة جماعية ولايزال لهيب الحرب شبح أمامهم فأين قضيتهم في حياة المسلمين .
إخوان القردة والخنازير من اليهود لايزالون يسومون المسلمين في فلسطين أنواع الذل والقهر والقتل والأسر والتشريد والتهجير .
وقضية الشيشان التي عادت من جديد ولايزال الجرح غائرا والدم ينزف والمسلمون يقتلون ويشردون ويضطهدون في دينهم وعقيدتهم ومانقموا منهم إلا أنهم قالوا ربنا الله .
لاتزال قضية الشيشان تبرهن تخاذل المسلمين إلا من رحم الله .
أيها الأخوة ومن جانب آخر ..
تلك الأحداث التي مرت عبراً وعظة فقد كثرت الزلازل ودمرت المنازل وهلكت الأنفس وتشردت الأسر والأعاصير والفيضانات نذير آخر ، وحبس الأمطار وجدب الأرض وعموم القحط ، تلك أحداث توجب الرجوع إلى الله تعالى والبحث عن الأسباب .
أيها الأخوة
ولايزال التقدم العلمي التجريبي يظهر وسائل الاتصال السريعة وتبادل المعلومات وصار العالم كالقرية الواحدة فتغيرت ملامح حياة المسلمين وتأثروا بما يحصلون عليه من ذلك .
لقد تغير التفكير والتخطيط وانشغل كثير من الناس بتوافه الأمور وشغل وقته بما يعود عليه بالضرر والأجيال المسلمة في عصر الفضائيات والانترنت فريسة سائغة لليهود والنصارى وممن يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وممن يحرصون على إغواء المسلمين وسلخ هويتهم يتبعون شهواتهم من شهوة البطن والفرج حتى يصل إلى درجة يتخلى عن دينه وعقيدته .. فضلا عن أن يفكر في قضايا أمة الإسلام أو يدافع عنها .
تلك صور هي ضحايا لهذا الشر المتدفق والبحر المتلاطم والفتن .
ونخشى أن نصل إلى ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ( بادوار بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا ) رواه مسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لاتذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول ياليتني كنت مكان صاحب هذا القبر وليس به إلا البلاء ) رواه مسلم .
إي الحامل له على ذلك البلاء وكثرة المحن والفتن .
نعم أيها الأخوة
إن ترهيب المسلم بكل مايضر من الكفار وإن كان ضارا له ولأولاده يمس عقيدتهم ودينهم وأخلاقهم وأعراضهم و ــــ .
هذا هو الخطر ، وإن بوادر التأثر واضحة اليوم .
وإن تكالب الناس على الدنيا وتنافسهم على حطامها وهذا هو الذي خافه المصطفى صلى الله عليه وسلم ( فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم ) رواه مسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه ( إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم قال عبدالرحمن بن عوف نقول ( كما أمرنا الله قال الرسول صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدوا ثم تتدابرون ثم تتباغضون ألا ما أكثر المنافسة في حطام الدنيا وما أكثر الحسد ) رواه مسلم .
من أجلها وأما أكثر التدابر والتقاطع والتباغض من أجل الدنيا .
لقد قادت أناسا فانحرفت عقائدهم وتخلوا عن دينهم وقادت الدنيا أناسا فسدت أخلاقهم وسلوكياتههم ، وقادت الدنيا أناسا فبارزوا خالقهم بالمعاصي والذنوب .
هكذا تهلك الدنيا .
والنعم لاتدوم إلا بالشكر وهذه النعم كم سلبها من إنسان وحرمها من فرد ويوشك أن ترحل عن صاحبها إلى غيره فيبقى ملوماً محسورا مذموما مدحورا ) .
أيها الأخوة
ومن صفحات هذا العام المحزنة أن فقدت الأمة في هذا العام نجوم علمائها فقدت الأمة علماء أبرارا كان لهم أثرهم في توجيه الأمة وقيادتها ، فقدت قادة قادة ربانيين عوا إلى الحق وبه كانوا يعملون نسبهم كذلك والله حسيبهم ولانزكي على الله أحدا .
علماء كان لهم الأثر خلال نصف قرن من الزمان في توعية الأمة والحفاظ على كرامتها وعزتها.
كان لهم الأثر البالغ في تبصير المسلمين بعقيدتهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
رحلوا وقد تركوا فراغا عظيما لايسد ، رحلوا فثلم في الدين ثلمات كثيرة ، رحلوا في وقت والأمة أحوج ما كانت إليهم بعلمهم ورأيهم وجهدهم وحكمتهم .
رحل الإمام ابن باز ورحل الإمام الألباني رحل العلامة الندوي ورحل غيرهم من الأئمة وحماة العقيدة .
رحلوا وخلفوا تراث يجب على الأمة أن تستفيد من ، ورثوا علوما وفكرا ومنهجا .
ألا ما أحوج الأمة اليوم إلى العلم الشرعي وإلى العلماء وإنها والله مسئولية كل عالم وطالب العلم أن يجدوا ويجتهد ليقوم بالواجب .
متجنبين الخلاف والنزاع في الجزئيات ، وتصيد الملحوظات وتسعى لاجتماع القلوب وتآلفها ، والتعاون على نشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوجيه الأمة لما فيه صلاحها في العاجل والآجل ونطهر نفوسنا من الحسد والحقد والضغينة ، ولننشر الحب والوفاء ولنبعد عن الغرور والإعتزاز بالنفس وإن المسئولية على الآباء أن يسعوا إلى ترغيب أبنائهم وتوجيههم إلى علم الشريعة لما في ذلك من خيري الدنيا والآخرة .
أيها الأخوة
ومع ذلك كله فإن هناك صورا مشرقة في سجلات كل مؤمن يجب أن يحافظ عليها المجد ويزداد من الخير وأن يقتدي المتكاسل بذلك .
صورا كثيرة من الخير لاتعد ولاتحصى ولله الحمد والمنة وهذا من فضل الله على عباده أن وفقهم للخيرات والصلوات والزكوات والصدقات والصيام والقيام بالحج والعمرة .
فكم أنكر منكر وكم أمر بمعروف وكم أطعم من ملهوف وفرج من كربه ونشر من خير وفضيلة .
وكم حفظ من كتاب وسنة وكم تعلم من أحكام الشريعة فدعاؤنا لكل مسلم حريص على الخير أن يزاداد حرصا وأن يثبته على ذلك ولكل مسلم مقصّر ندعوا له بالهداية والتوبة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى .
د.أحمد بن صالح الطويان |