| مواقف إيمانية
الحمد لله الواحد القهار الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فمن هداهم في هذه الدار وشغلهم بمراقبته وملازمة الاتعاظ والأذكار وفقهم لطاعته من التأهب لدار القرار أحمد سبحانه وأشكره واستعين به واستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله الهادي إلى صراط مستقيم والداعي إلى دين قويم صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين .. أما بعد
هذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بين أصحابه يسأل الصحابي الجليل حارثة سؤالا فيقول له ( كيف أصبحت يا حارثة فيقول حارثة أصبحت مؤمنا حقا فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك فيقول حارثة عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها وكأني انظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون وكأني أنظر إلى أهل النار في النار يعذبون وكأني أرى عرش ربي بارزا من أجل ذلك أسهرت ليلي وأظمأت نهاري فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حارثة عرفت فالزم ثم قال رسول الله عبد نور الله قلبه بنور الإيمان فقال حارثة يارسول الله ادع الله أن يرزقني الشهادة في سبيله فدعا له فكان من شهداء بدر فجاءت أمه فقالت يارسول الله أنت مكانة حارثة في قلبي فإن كان في الجنة فرحت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال لها يا أم حارثة إنها ليست جنة واحدة إنها جنات ولقد أصاب حارثة الفردوس الأعلى فذهبت أم حارثة وهي تضحك وتقول بخ بخ يا حارثة هنيئا لك الجنة .
كم من عبر وعظات في هذا الموقف العظيم وهل جاء هذا إلا بالإيمان جاء بسهر الليل وظمأ النهار وباستواء الذهب والتراب .
وهاهو الصحابي الجليل كما روى مسلم في صحيحه عن أبي سلمة قال حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي سل فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك قلت هو ذاك قال أعني على نفسك بكثرة السجود هذا الصحابي تسامت همته حدود الأرض وقباع الحياة الدنيا وارتفعت حيث الجنة ومرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها .
وهاهو ذو البجادين شاب من شباب مكة أخذ ماله وخلعت ثيابه وجريمته الإسلام فما وجد إلا شمله قسمها نصفين نصف لأعلام ونصف لأسفله ولما رأه رسول صلى الله عليه وسلم أجهش بالبكاء في وجهه وقال رأيته من أغنى شباب مكة ومن أطيب شباب مكة ويغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك وفي وسط الليل يستيقظ ابن مسعود رضي الله عنه فيرى نورا فيلتمس رسول الله وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم ولم يجدا أحدا منهم فيذهب إلى مكان النور فإذا الرسول صلى الله عليه وسلم حضر قبرا ونزل في القبر وسط الليل وإذا أبو بكر وعمر يحملان جنازة يدليانها في القبر فقال ابن مسعود من هذا يارسول الله قال أخوك عبد الله ذو البجادين توفي هذه الليلة فلما أنزله رسول الله في قبره رفع كفيه وقال اللهم ارض عنه فإني أمسيت عنه راض اللهم ارض عنه فإني أمسيت عنه راض فبكى ابن مسعود وقال ليتني كنت صاحب الحفرة .
أي فوز أعظم من هذا الفوز وأي شيء أفضل من أن يرضى الله ورسوله عن عبد ولكن مع هذا فكثير من الناس رضوا بالبدائل الدنيوية .
وعن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف أن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطى بها رأسه بدت رجلاه وإن غطى بها رجلاه بدأ رأسه ثم بسط لنا من الدنيا مابسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ) رواه البخاري . وعن أبي ذر أن ناسا قالوا ( يارسول الله ذهبت أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون كما بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل الله لكم ماتصدقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة ونهي عن المنكر صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يارسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) رواه مسلم وفي رواية ( أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم فقال وماذاك فقالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولانتصدق ويعتقون ولانعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولايكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يارسول الله قال تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع أخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) رواه البخاري ومسلم .
د.أحمد بن صالح الطويان |