| آيات الله الباهرة
الحمد لله عز وجل جلت قدرته وسمت حكمته وهو الحكيم العلم يثبت بالنعمة ويبتلي بالمحنة ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) وأشهد ألا إله إلا الله القوي العزيز الجبار القهار يخلق ما يشاء ويختار وهو بكل شيء عليم ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المختار أعطى فشكر وابتلى فصبر فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون ) .. أما بعد
فاتقوا الله يا عباد الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى .
أيها الأخوة
لقد وضع العالم يديه المرتعشة على قلبه الحزين الذي خفق خفقة الأسى والألم ، مما ألم بتلك الدول التي أغرقت وتهدمت فتبدل أمنها خوفا وحياتها موتا وعمارها خرابا ودمارا .
وتبدلت تلك البلاد الناضرة شبيهة بالمقبرة خسفت ثم أغرقت ثم بادت قضي الأمر كله في ثوان ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياناً أو هم قائلون ) ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون ) .
في مثل طرفة عين وانتباهتها غيّر الله من حال إلى حال .
ناموا وهم يحملون الآمال ويفكرون ويخططون وأصبحوا في عداد الأموات .
فجاءهم أمواج كالجبال فإذا ألوف من القتلى وألوف من الجرحى وألوف من الغرقى وألوف من المنكوبين والمشردين .
قرى بأكملها غرقت ودمرت وأسر تشردت وغرقت ذعر وهلع وخوف ، منهم من أراد أن يدفع الموت عنه فلم يستطع ، أراد أن ينقذ ابنه وفلذة كبده فلم يجد إلى ذلك سبيلا
أمهات فقدت الأبناء أمهات تنادي وأولاد يصرخون وينادون فلا يجدون جواباً .
هول في الموقف مياه تتدفق وقلوب تفزع ومبان تتهدم وأجساد تتقطع وأموال تتبدد ، نفوس هائمة تبحث عن ملجأ ومخبأ .
فسبحان الله العظيم سبحان من خضعت له الرقاب لعظمته وسبحان رب الأرباب ومسبب الأسباب وخالق خلقه من تراب ، سخر لهم الأرض ذلولاً يمشون في مناكبها ورزقهم على ظهرها وأخرج لهم من البحر لحماً طرياً وحلية يلبسونها وجعل لهم معايش ورزقاً وعيشاً رغيداً وفي لحظة كن فيكون ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) .
فالذي أعطى هو الذي أخذ والذي وهب الحياة هو الذي قدّر الممات ( كل شيء عنده بمقدار ) ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) .
تجلت قدرته وعظمت حكمته مات مَنْ مات وحفظ الله مَنْ حفظ ، حفظ الطفل الصغير في لجج الأمواج وبعد أيام يوجد سليماً معافى من الذ حفظة إنه الله جلت قدرته .
حفظ الطفلة الصغيرة ذات الشهور القصيرة تحت الهدم بعد أربعة أيام وجدت سليمة .
حفظ الله الذي يقيم المسجد فأخذته الأمواج وعاش ثمانية أيام في لجج البحار أطعمه الله وسقاه وحفظه .
صور كثيرة من حفظ الله لمن أراد الله حياته ونجاته .
فهذا تحمله شجرة في البحر وهذا متعلق بأغصان الأشجار فأنجاه الله فسبحان المحيي والمميت .
رأينا المساجد ثابتة صامدة وآوى الناس إلى مساجدهم يحتمون بها فحفظهم ربهم .
أيها الأخوة
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فالمسلمون يكفنون موتاهم ويصلون عليهم ويدفنونهم ويستغفرون الله ويؤمنون بقضاء الله وقدره فيسلمون أمرهم إلى خالقهم وبارئهم ، وغيرهم نجد أن جثثهم تحفظ بأكياس النفايات وترمى وترفس في التراب أو تحرق .
فسبحان الله الذي هدى عباده لهذا الدين وشرفهم بالانتساب إليه .
أيها الأخوة
إن في ذلك لعبرة وعظة فلا يغتر الإنسان بعلمه ولا طاقته ولا قدرته فهؤلاء لم يعلموا لا بالزلازل ولا بالطوفان ولا بالمد ، ولم يحسوا به إلا بفجأته ولم يسلكوا من القدرة على رده أو حفظ أنفسهم منه فهذا المخلوق الضعيف مهما أوتي من قوة وعتاد وعقل وتدبير إلا أنه أمام قدرة الخالق جلَّ وعلا لا يثبت ولا يمكنه أن يثبت وهو سبحانه هو الذي يحفظ عباده ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ومالهم من دونه من وال ) .
فمن ذا الذي يحفظهم من دون الله ومن الذي يرزقهم من دون الله .. ومن الذي يبدل حالهم إلا الله سبحانه وتعالى .
وهنا يتجلى التوحيد والعقيدة الصحيحة وتفزع القلوب إلى خالقها وبارئها وتوحده وتمجده وتعلم أنه سبحانه هو القادر على كل شيء وهو النافع الضار سبحانه ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك الله بخير فهو على كل شيء قدير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ) ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رادَّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) .
فأين الذين ينسبون هذه الآيات والنذر إلى الأسباب الطبيعية والمادية ويتناسون قدرة الله وقدره وابتلائه وامتحانه لعباده .
أين الغافلون عن الآيات والنذر لماذا لا يعتبرون وهم يشاهدون الخراب والدمار والجثث والأشلاء والغرقى والهدمى هل يهنأ الإنسان بالطعام والشراب وهو يشاهد تلك الصور المبكية المحزنة التي تبعث في القلب الخوف والحزن .
الخوف من الله أن يصيبنا ما أصابهم ، واليقين بأن الله قادر علينا فكما أهلكهم قادر على أن يهلكنا فلماذا الغفلة والإعراض .
( قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم لباس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) .
فهل من يفقه ذلك ..
( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) .
قال ابن مسعود رضي الله عنه لما رجفت الأرض بالكوفة ( أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه ) أي يطلبكم للرجوع عن الإساءة واسترضاءه فافعلوا فالذنوب والمعاصي سبب كل بلية ومصيبة ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) .
قال ابن القيم ( ومن تأثير المعاصي في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها ).
قال كعب ( إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقاً من الله جل جلاله أن يطلع عليها ) .
قال عمر بن عبدالعزيز ( إن هذا الرجف شيء يعاقب الله به العباد ) .
أيها الأخوة
وإننا مع ذلك نرجو للمسلمين الذين أصابهم الله في تلك الحوادث المروعة .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله ) رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم ( والغريق شهيد ) وفي رواية ( من غرق فهو شهيد ) .
وفي الحديث الآخر ( الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بُجمْعِ شهيدة ) رواه أبو داوود وابن ماجه وهو صحيح .
أيها الأخوة
إن هذه الآيات والزلازل تذكر المسلم بهول الموقف يوم القيامة فهؤلاء لما أصابهم ما أصابهم كل بحث عن النجاة لنفسه ولم يفكر لا بوالد ولا ولد فقد ذهلت المرضعة عمن أرضعت ورأينا الناس وهم يفزعون ويهربون لما وقع عليهم وهذا يذكرنا بيوم الزلازلة الكبرى ( يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها ) ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) .
فهل اتعظنا واعتبرنا .
أيها الأخوة
إن هذه المحن الشدائد هي التي تظهر رحمة الإسلام وخير المسلمين في تعاطفهم وتراحمهم فالمسلمون جسد واحد وبنيان متماسك .
ولقد اشتكى أخواننا فعلينا أن نشاركهم في مصيبتهم وأن نواسيهم بأموالنا ودعائنا .
ولقد لبت بلاد الحرمين نداء ولي أمرها وتنادى المسلمون في هذه البلاد لنجدة أخوانهم فرأينا ما يثلج الصدور ويقر العيون فجزى الله من كان سبباً وحفظ بلادنا من كل سوء .
أيها الأخوة
بعض من يهتمون بالظواهر الطبيعية وأسبابها ربطوا تلك الأحداث بعلامات الساعة الكبرى وهذا خلط لا دليل عليه فتلك الأحداث آيات ونذر .
وعلامات الساعة لها أسبابها التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وليس ما يستنتجه الناس بعقولهم .
وعلى الإنسان ألا ينشغل بذلك بل عليه أن يتعظ ويعتبر يدفعه إلى العمل والتوبة والرجوع إلى الله .
د.أحمد بن صالح الطويان |