| المجاهرة بالمعصية
الحمد لهه أعز من أطاعه وأذل من عصاه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله حذر من المعصية والمجاهرة بها وأوجب إنكارها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .. أما بعد
إن وقوع الخطأ من آدم أمر من طبيعة البشر ولم تكتب العصمة إلا سادة البشر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولذلك وصف الله خيره خلقه وعباده ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) .
فوصفهم بالوقوع في الخطأ والتوبة والاستغفار منه والرجوع إلى ربهم وخشيتهم له وترك الإصرار على المعصية ، وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم ( كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون ). فخير الناس أسرعهم توبة ورجوعا .
أيها المؤمنون
إذا تقرر هذا علم أن المعاصي لها شؤمها وخطرها على الأفراد والمجتمعات وهي سبب لكل بليه ورزية وضررها على القلوب كضر السموم على الأبدان .
وإذا كانت المعصية لم تطهر لم تضر إلا من عملها وإذا ظهرت عمت وصار أثرها أعظم على الآخرين أخطر ولذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يافلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ) خ .
إن إعلان المعصية وإظهارها له أخطاره العظيمة على المجتمعات وعلى الأفراد .
لأنه سبب للعقوبات العاجلة والآجلة العامة التي تعم الصالح والطالح .
وسبب لفشوا المنكرات وظهروها .
قال صلى الله عليه وسلم ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها فقلت يارسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال عم إذا كثر الخبث ) متفق عليه .
وروى الإمام أحمد عن أم سلمة قال صلى الله عليه وسلم ( إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله تعالى بعذاب من عند فقلت يارسول الله أما فيهم أناس صالحون قال بلى قالت : فكيف يصنع أولئك قال يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان ) .
وإن ظهور المعاصي سبب لموت القلوب ـــ بالمعاصي ، فرؤية المنكرات تسلب نور القلب وتذهب التمييز والإنكار لأن المنكرات إذا كثرت على القلب ورودها وتكرر في العين شهودها ذهبت عظمتها من القلوب شيئا فشيئا إلى أن يراها الإنسان فلا تخطر بباله إنها منكر .
ولايميز بنكره إنها معاصي لما أحدث من تكرارها من تآلف القلب لها .
وإن إعلان المنكر وإظهاره سبب لانتشاره تقليد الآخرين له .
وإعلان المنكر يذهب الحياء من القلب فلا يردعه حياء .
وإعلان المنكر والافتخار به سبب لحرمان التوبة من الذنب والرجوع عنه ، قال ابن القيم ( وهذا الضرب من الناس لايعافون ويسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب ) .
وإعلان المنكر سبب لزيادة وكثرته ، وألف النفس له ومحبته .
وإعلان المنكر والمجاهرة به سبب للدعوة إلى الضلالة واكتساب المجاهر إثم الآخرين .
من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .
وشيوع المنكر والمعصية سبب لزوال النعم وذهابها ( إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، وقال علي رضي الله عنه ( مانزل بلاء إلا بذنب ولارفع إلا بتوبة ) .
( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) .
( وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ) .
وظهور المنكر وإعلانه والمجاهرة به والافتخار به سبب لظهور الفساد في الأرض .
( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) .
قال ابن القيم رحمه الله ( ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهواء والزرع الثمار والمساكن ) .
وظهور المعاصي والذنوب والمجاهرة تذهب الغيرة من القلوب فكلما كثر ملابسة الذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس وقد تضعف في القلب ـــ حتى لايستطيع بعد ذلك القبح لا من نفسه ولا من غيره .
وقال صلى الله عليه وسلم ( يأمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ) .
وإن ظهور المنكرات وإعلانها ضعف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسبب لزواله لإن المنكرات إذا ظهرت عمت وطمت فيحصل التقصير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيحصل العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وإعلان المنكر سبب لنزول الأمراض والأوجاع وسبب للكسوف والخسوف والزلازل والعقوبات الدنيوية والأخروية.
د.أحمد بن صالح الطويان
|