| التسرع في الفتوى أو القول على الله بغير علم
الحمد لله العليم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الذي شرع الشرائع وفصل الأحكام وبين الحلال والحرام وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأنام صلاة الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام لقد بعث الله نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام بشيرا ونذيرا أو داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وتوفى وقد تركنا على المحجة البيضاء لايزيغ عنها إلا هالك وأخبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء وأن العلماء هم أهل الذكر وأهل الفضل أمر الله بسؤلهم ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون ) وأمرهم ببيان العلم وتبليغه للناس ( إن الذين يكتمون ما أنزلت .... ) .
وقال عليه الصلاة والسلام ( ألا سألوا إنما شفاء العي السؤال ) وقال ( من سئل علما فكتمه ألجم بلجام من نار ) .
والمجتمع الإسلامي بحاجة كبيرة إلى أهل يسألونهم ويستفتونهم ومجتمع يقل فيه العلماء لايجد فيه الناس من يعلمون منه حكم الله في عبادتهم ومعاملاتهم وسائر شؤونهم فينتشر الجهل ويتخبط الناس في دينهم فيحلوا الحرام ويحرمون الحلال ويرتكبون المحرمات .
أيها الأخوة
كثر في هذا العصر من يتجرأ على القول على الله بغير علم وليتكلم بشريعة الله حسب هواه مخالفا بذلك نصوص الوحيين يحل الحرام ويحرم الحلال ويشرع أحكاما ليس في كتاب الله ولاسنة رسوله ويجدون من يعتز بهم ويعجب بأسلوبهم وطريقة طرحهم يتكلمون في قضايا يحكمون فيها بعقولهم ، ليس لهم نصيب من علم الكتاب والسنة .
ومن الناس من يتعلم شيئا من علم الشريعة فتجده أجرأ الناس في الفتوى وقد حرم الله سبحانه القول على الله بغير علم وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها ومابطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) .
وقال تعالى ( ولاتقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لايفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم ) وقال تعالى ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) . وروي عن أبي بكر أنه ( قال أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم).
فليعلم هؤلاء وغيرهم أن الكلام في المسائل الشرعية بدون علم والتحدث عن مواضيع قد قضى الله ورسوله فيما حكما أو تغير نصوص الكتاب والسنة حسب الأهواء والشهوات كل ذلك من القول على الله بغير علم .
وليتق الله من يتجرأ على الفتيا بغير علم فيضل الناس ويضل نفسه .
أيها الأخوة
إن الفتوى لها أهلها وهم العلماء الذين رسخت أقدامهم في العلم والهدى هم أهل الذكر والفقه.
قال الإمام أحمد ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القران عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وقلة معرفتهم بصحيحها عن سقيمها .
وقال الشافعي لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به .
وسئل ابن المبارك كتى يفتي الرجل قال إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي .
أيها الأخوة
لايتجرئ على الفتوى والقول على الله بغير علم إلا الجاهل وإلا العلماء هم من أبعد الناس عن ذلك .
قال ابن عينه أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما ولقد كان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه أياها غيره . فعن عبدالرحمن ابن أبي ليلى قال أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد فما كان منهم محدث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث ولامقت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال ابن مسعود أيها الناس من سئل عن علم يعلمه فليقل به ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لايعلم الله أعلم . وإن التعجل في الفتوى والمسارعة إليها نوع من الجهل . قال مالك رحمه الله ( العجلة في الفتوى من الجهل والخرق وكان يقال التأني من الله والعجلة من الشيطان وما عجل أحد فأصاب وأتى آخر فأصاب إلا كان الذي أتى أصوب رأيا ولا عجل أحد فأخطأ وأتى آخر فأخطأ إلا كان الذي أتاه أيسر خطأ .
وقال محمد ابن المنكدر إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم وقال أيضا فليطلب لنفسه المخرج . وقال ابن خلده يا ربيعه أراك تفتي الناس فإذا جاءك الرجل يسألك فلا تكن همتك أن تخرجه مما وقع فيه ولتكن همتك أن تتخلص مما يسألك عنه .
وقال عثمان بن عاصم ( إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر ).
هذا في زمان التابعين فكيف بأهل زماننا .
وقال أحمد ( وددت أنه لا يسألني أحد عن مسألة وماشيء أشد عليّ من أسأل عن هذه المسائل البلاء يخرجه الرجل عن عنقه ويقلدك وخاصة مسائل الطلاق والفروج .
أيها الأخوة
وكثيرا ما يحتاج الناس إلى العلم بمسألة من المسائل أو واقعة معينة فليسأل عنها العلماء .
وللسؤال آدابا :-
1- أن يسأل بأدب وحسن عرض للسؤال .
2- أن لا يسأل عما لم يقع قال عمر لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن إن الله تبارك وتعالى ( قد قضى مني هو كائن ) .
وسئل عمار عن مسألة فقال هل كان هذا بعد قالوا لا قال دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم .
وسئل طاووس عن مسألة فقال هل كان هذا قلت نعم قال آلله الله قالت آلله قال إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه .
3- أن لايكون السؤال القصد منه إحراج العالم فقد نهى رسول الله عن الأغلوطات ) أحمد.
والمعني أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا ويستسقط رأيهم فيها .
وقال رجل للشعبي أني خبأت لك مسائل فقال أخبأها لإبليس حتى تلقاه فسأله عنها .
وقال الحسن ( إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعتنون بها عباد الله .
4- الاختصار بالسؤال والاقتصار على مايسأل عنه وتحضير السؤال .
5- الإصغاء إلى الجواب من العالم .
6- عدم التحايل على العالم فيسأله عن شيء يريد جوابا يهواه هو .
أيها الناس لاتعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا وإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم يتفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد وإذا قال وفق .
وينبغي على المفتي أن يكون رحيب الصدر يصبر على الجاهل ويتسع صدره لنقاش الطالب وليحرص على أداء الأمانة وأن يراقب الله تعالى في كل مايقول وأن يعتمد على الدليل وأن لايمنعه الحياء عن قول لا أعلم .
قال أبو الدرداء لا أعلم نصف العلم وقال ابن عجلان ( إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقالته).
وعن عقبة بن مسلم قال صبحت ابن عمر رضي الله عنهما أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول لا أدري ثم يلتفت إليّ فيقول أتدري مايريد هؤلاء يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم .
قال عل رضي الله عنه إذا سئلتم عما لاتعلمون فاهربوا وقالوا كيف الهرب قال تقولون الله أعلم.
د.أحمد بن صالح الطويان |