| إجازة الربيع
الحمد لله رب العالمين أمر بحفظ الأوقات فيما ينفع من فعل الخير والطاعات ونهى عن إضاعتها في اللهو والغفلات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وماله من الأسماء والصفات وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أول سابق إلى الخيرات ومحذر عن طريق المهلكات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب العظيمة والكرامات وسلم تسليما كثيرا .. أما بعد
( أيها الناس اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .
تقدم علينا إجازة نصف العام ويستعد الكثير لقضاء هذه الإجازة بما يعيشون من أفكار فمنهم من يفكر بالعمرة إلى بيت الله الحرام ، ومنهم من يفكر في حفظ أجزاء من القران ، ومنهم من يفكر في طلب وتحصيل العلم ، ومنهم لزيارة الأقارب ، ومنهم على النقيض من ذلك يفكر في قضاء الإجازة بالسفر إلى بلاد الكفار ، ومنهم لقضائها في المحرمات والمعاصي والمنكرات ، إلى غير ذلك من أصناف الناس .
ولنا مع الجميع وقفات :-
1- يجب على كل مسلم أن يعلم أن كل لحظة تمر من الوقت هي جزء من حياته ، وأن كل لحظة سيسأل أمام الله عز وجل عنها ، فهذه الأيام مطايا إلى الله عز وجل قال الحسن البصري ( يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك ) .
2- أخي أنت بحاجة إلى ما تُثقل به موازين حسناتك من الأعمال الصالحة ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ) .
3- اعلم أخي أن الصحة والفراغ نعمتان أنعم الله بها عليك فماذا ستعمل فيهما ، قال عليه الصلاة والسلام ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) رواه البخاري .
قال ابن الجوزي رحمه الله ( الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون ) .
ولهذا ورد في الحديث ( اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل قوتك ) رواه الحاكم بسند صحيح .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ) رواه البخاري .
4- نعمة الله لا تستعملها في معصية الله فما أنعم الله به عليك من الصحة والفراغ والأمن ورغد العيش لا تستعمله في معصية الله عز وجل ، واعلم أيها الأخ المبارك أن الله سائلك عن هذا النعيم ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) قال الإمام ابن كثير رحمه الله ( أي ثم لتسألن عن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ماذا قابلتم به النعمة من شكره وعبادته ) .
وقال الإمام مجاهد ( عن كل لذة من لذات الدنيا ) .
انظروا ماذا تتمتعون به اليوم من نعم الله العظيمة فأين شكر هذه النعم وبماذا تصرفونها وما هي إجابتكم يوم تحاسبون عليها .
إننا نرى الكثير يستعينون بنعم الله على معاصيه ويضيعون فرائضه ويفعلون ما حرم الله عليهم يضيّعون أوقاتهم ويستنفذون قواتهم في اللهو والغفلة والفسوق والعصيان .
5- أوجه هذه الوقفة لمن يسافر إلى بلاد الكفار ، لماذا تسافر ؟ وما ذا تصنع هناك ؟ هل للدعوة إلى الله عز وجل أو لعلاج لم تجده في بلاد الإسلام ، أو لعلم لا يوجد في بلاد الإسلام أم ماذا ؟ لماذا يذهب الفئات من الشباب ؟! ألا تعلم أن السفر إلى بلاد الكفار محرم لما في ذلك من المفاسد العظيمة من مولاة الكفار ومودتهم والمبيت بين أظهرهم وتقليدهم والسير في ركابهم ، مع ما في من ذلك من ضياع الأخلاق .
6- وأوجه هذه الوقفة لأهالي المخيمات فأقول أن النزهة والتفسح وإدخال السرور والبهجة على النفس أمر يستحبه الإسلام ويحث عليه ولكن لا بد من أمور تجب مراعاتها احذروا الاختلاط ونزع الحجاب وظهور العورات من الرجال والنساء .
لقد شوهت بعض المخيمات المختلطة أو بعض النساء المتبرجات اللاتي يمشين في الصحراء وحدهن بقصد المتعة فينشرن بذلك الفتنة .
أيها الأخوة
لقد شوهدت الدشوش في المخيمات ، وسمعت الطبول والمزامير ورؤيت المنكرات فمن المسؤول عن ذلك .
7- أيها الشباب الكرام أين استغلالكم لأوقاتكم وصرفكم شبابكم وقوتكم ، أفي تضييع الصلوات واقتراف المنكرات اهتموا بأمر الصلاة وتأديتها في أوقاتها ، احذروا المحرمات واعمروا مجالسكم بما يعود عليكم بالنفع في دنياكم وآخرتكم .
8- أيها الأولياء أنتم الرعاة وكلكم مسئول عن رعيته احسنوا إلى أسركم وأبنائكم وبناتكم بما يعود عليهم بالنفع في الدين والدنيا .
هل راقبت أيها الولي ابنك أو من استرعاك الله إياه منهم رفقائهم ومع من يمضي وقته وعمره .
9- وقفة أخرى مع مرتادي السواحل والحدائق العامة فإن الذي ينظر إلى الصور الواقعية للسواحل وأماكن الترفيه ليجد ما يحز بالقلب من الاختلاط والتبرج وإظهار المعصية والمجاهرة بها ، فليتق الله هؤلاء وليحافظوا على محارمهم وأنفسهم من الوقوع في المحرمات .
10- إن الواجب عظيم والمهمة جسيمة ، على الدعاة والمصلحين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وكل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
أيها الأخوة
استمتعوا بها أنعم الله عليهم من الربيع وجمال هذه الأرض وما أخرجه الله من خيراتها وأنوارها فتبدلت الأرض الجرداء إلى خضراء والأرض الشبهاء إلى غَنّاء وعادت الحياة إليها بعد موتها ..
سقاهم الله فضلاً منه ونعمة ليبتليهم بالسراء لعلهم يشكرون .
إن هذه الأرض التي اكتست بجمالها وطبيعتها الخلابة ومناظرها الغناء يدعونا القرآن إلى أمر عظيم بعد ذلك ألا وهو تذكر البعث والنشور وإن الله الذي أحيا هذه الأرض لمحي الموتى سبحانه وتعالى ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموت وإنه على كل شيء قدير وإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) .
فماذا أعددنا للموت وما بعده .. أيها الأخوة
هذه الأرض تدعونا للتفكر في مخلوقات الله عز وجل والنظر في آياته العظيمة التي تزيد الإيمان وتصل العبد بخالقه جلَّ وعلا ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ) .
دعوة للجميع للتفكر والاعتبار .
تفكر في الحال والمآل ، واستعداد لصالح الأعمال .
ويضرب الله المثل في هذه الأرض وتغيرها وحياتها بعد موتها للعباد ، أن يسعوا إلى ما فيه حياة قلوبهم فكما نبتهج بربيع الأرض لنسعى جميعاً إلى ما فيه ربيع قلوبنا ، وحياتها ونورها .
فكما تسقى الأرض بغيث المطر لا بد أن تسقى القلوب بغيث القرآن والعلم النافع .
المسلم لا يكون سطحياً يغتر بالمظاهر وتنسيه عن حكمها وأسرارها .
ننظر إلى ذلك ونعلم أنه يجب أن نتجدد في حياتنا من الحس إلى الأحسن تجديداً يتناول الحقيقة لا المظهر والروح والجسد والمعنى لا المبنى .
يدعونا ذلك إلى الأمل وعدم القنوط .
لقد تفتحت البراعم في الأرض واخضرت الزروع في الحقول واهتزت الأرض الجرداء وربت وأنبتت من كل زوج بهيج بعد ما كان الناظر إليها قائما صففاً .
وذلك يعني أن تفتح براعم الأمل بنصرة الإسلام وظهور الأمة المحمدية .
لنعتبر بما نرى ونشاهد من خضرة الأرض وزينتها فستكون يوماً هشيماً تذروه الرياح وكذا الإنسان قويا جميلا نشيطا يتمتع بالصحة والعافية سرعان ما يذبل ويموت وسيصبح هشيما تذروه الرياح .
د.أحمد بن صالح الطويان |