| الهجرة دروس وعبر
الحمد لله نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه واستغفره وأشهد ألا إله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق صبر وصابر وجاهد وهاجر حتى ارتفعت أعلام الدين وحق القول على الكافرين صلى الله عليه وسلم وبارك على آله الأطهار وأصحابه الأخيار من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان .. أما بعد
فاتقوا الله أيها المسلمون ( اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لايظلمون ) .
أيها الأخوة
ها أنتم قد استقبلتم عاما جديدا وودعتم عاما من عمركم مضى بما أودعتموه من عمل .
أيها الأخوة في مقتبل العام وفي ورود المناسبات يستعذب الوقوف عند سيرة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والتأمل في أحاديث الهجرة ومواقف التحمل ومواطن البذل والتضحيات .
وقوف يستثير الهمم وتأمل يزيد الإيمان ويزكي الخلق ويقوم المسيرة .
وقوف ليس سردا للقصص في المناسبات أو كلام يقال عند الذكريات .
وقوف وتأمل يؤكد أن الرباط بالنبي صلى الله عليه وسلم وبشريعته أقوى وأعمق وأوثق من روابط ملفقة لاتعدوا كلمات باللسان وأحاديث في المناسبات ومظاهر في الاحتفالات .
إنه لايكتفي بالخفيف من المظاهر والرسوم إلا من أعجزه حمل المسئولية وأعياه عبء التكاليف.
إن الحب رخيص حين يكون زعما وكلاما ولكنه غال وثقيل حين يكون عملا وتضحية وإقداما ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) .
إن الحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم والتفاني في الاقتداء يستدعي العزمات الصادقة في الاستمساك بالأصول والتعلق بالحقائق وإصلاح كل الشأن على سنن النبي صلى الله عليه وسلم وهديه علما وعملا عبادة وسلوكا حربا وسلما .
أيها الأخوة
إن الهجرة أحد المواقف العظيمة في هذه السيرة المباركة وإن لها لخبرا وإن فيها لعبرا والمقام ليس مقام استيعاب في السرد ولا هو بالوقوف عند كل عبرة غير أن مايؤكده درس الهجرة أن الدين هو السياج الحامي لكل حق في الأنفس والأموال والأرض والحرية والكرامة إذا حفظ الدين حفظت النفس حفظ المال بصدق العقيدة تحفظ الأرض ويحفظ الأهل .
تهجر الأوطان ويضحي بالنفوس والمهج والمال من أجل الحفاظ على الإيمان .
إن درس الهجرة ليؤكد بكل وضوح إن التفريط في العقيدة مآله هلاك النفوس وخراب الديار وإذا فقد الدين فلن يغني من بعده وطن ولامال ولا أرض .
أيها الأخوة
إن من دروس الهجرة صحة الانتساب إلى هذا الدين وصدق الاعتزاز بمبادئه فلا انتماء إلى غيره لايجوز أن ينافسه رابطة أخرى . إنه انتساب وارتباط لايخضع لحدود جغرافية ولا نمايزات قومية. ارتباط يمثل في عبودية وآدمية وعبودية لله الواحد القهار وانتساب إلى الأبوين ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم) . ( كلكم لآدم وآدم من تراب لافضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ) أحمد .
إنسانية يتعارفون بها وتقوى يتمايزون بها تأكد ذلك درس الهجرة .
أمة واحدة تترقى فيها العلاقات من الأخوة إلى المحبة إلى الإيثار ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .
التبعية العليا للإسلام وحده تتقاصر دونها الانتماءات الأرضية والعلاقات القلبية والارتباطات الحزبية ) .
إن من رضى بالله ربا ترفع عن الأغراض الشخصية ومن قبل الإسلام دينا لم يرضى بغير نهجه بديلا ومن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا لم يمش تحت لواء غير لوائه ولم يهتد بغير سنته .
أيها الأخوة
إن الهجرة ليست هروبا من واقع ولانكوصا عن مسئولية إنها في ذاتها مشقة وأذى ماذا بعد مفارقة الأهل والأوطان والإخراج من الديار الذي هو قرين القتل في كتاب الله .
إن الهجرة في غايتها فرارا بالدين وتلمس لطرق النصر وأمل في حصول الفرج وسعي إليه .
والله ينصر من ينصره ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويلوذ بحماه ولايكون ذلك إلا للمؤمن المخلص الموقن بما عند الله حين ينقطع به الأسباب وحين يخذله الناس ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) .
وإن من دروس الهجرة مايتعلق بالصداقة والصحبة فالإنسان في هذه الحياة لايستطيع أن يعيش وحيدا منفردا بل لابد من الصديق يلاقيه ويناجيه ويواسيه يشاركه مسرته ويشاطره مساءته وقد تجلت هذه الصداقة والصحبة في تلك الرابطة العميقة التي ربطت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنه لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر تقوم لغرض أو لعرض وتنهض على رياء ونفاق إلا من رحم الله .
وإن من دروس الهجرة ما يتعلق بالمرأة وكيف شاركت في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم حينما تربت على العقيدة والتضحية والفداء وتعلمت كيف تسعى لخدمة دينها إنه درس لنساء اليوم لتعيش المرأة لدينها لا لنفسها ولا لملذاتها ولا لمظاهرها وشهواتها .
وإن من درس الهجرة مايتعلق بالشباب حينما نسمع عن هؤلاء الشباب من الصحابة كيف شاركوا في الهجرة وكيف كانت تضحياتهم .
وهؤلاء الشباب الذين نبتوا في بيئة الصلاح والتقوى نشاؤا على العمل الصالح والسعي الحميد والتصرف المجيد والشباب إذا رضعوا من رحيق التربية المحمدية كان لهم في مواطن البطولة والمجد نصيب لكن حينما يتلقون تربيتهم من الأفكار الآسنة والمستنقعات الآثمة فيعيشون عيشة البهائم ويهيمون في الأرض فسادا وإفسادا .
أيها الأخوة
هكذا تعطينا الهجرة اليوم مايعظنا في حاضرنا وينفعنا في أولانا وأخرنا .
فاتقوا الله أيها المسلمون وقفوا وقفة المهاجر بنفسه وإن لم يهاجر بحسه فلنهاجر إلى الله تعالى بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا ولنهجر مانهى الله فإن المهاجر من هجر مانهاه الله عنه .
د.أحمد بن صالح الطويان |