| إن الباطل كان زهوقا
تتعدد المذاهب وتتنوع الدعوات وتعلو الصيحات من هنا وهناك ، ويتنادى أهل الباطل بؤد الحق واقتلاعه ، وتشويه صورته ، والتضييق عليه ، ويجد نشاطهم وتقوى عزائمهم حين يرون أهل الحق مستسلمون متخاذلون .
حين ذلك يبقى أهل الباطل أسودا على الحق ، يتحكمون فيما يزعمون بمصائرهم وفي أرضهم وفي تعليمهم وفي إعلامهم وفي أخلاقهم .
وفي ظل انتعاش الباطل وصولته وجبروته وطغيانه ، وضعف الحق وانزوائه وخور أهله وانهزامية نفوسهم يبقى بعض المسلمين حائرا يائسا لما يرى ويسمع ويشاهد من هيمنة الباطل وقوته سواء كانت المعركة دموية أو فكرية أو إعلامية يجد مايندى له الجبين ويحزن القلب ويقظ المضاجع لما يرى من صور الإذلال والهوان ، وصور البطش والطغيان وصور اتهام الحق بالتهم الباطلة والأكاذيب المختلفة وصور الهجوم على الإسلام شريعته وعقيدته وعلمائه وصور الهجوم على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة الأطهار فيقال المسلم أليس للحق ناصرا ومدافعا ومناضلا أليس هؤلاء الذين يأكلون ويشربون ويتمتعون ويتلذذون من أهل الإسلام أليسوا على الحق .. فلماذا يرتضون الهوان والذلة والمسكنة .
فيبقى يعتصره الألم من تلك المشاهد المرعبة والمناظر المخزية ، والفتن المشتعلة .
يرى التناقض في حياة الأمة ففي أرض قذيفة ونعم وفي أرض طرب ونغم وفي أرض قتل وتشريد وفي أرض عهر وفسوق ومجون ، فيزيد قلب المسلم الغيور أسى وحرقة فيردد أهؤلاء المسلمون .
أيها الأخوة
ويظل القلب المؤمن الصادق ممسكا بخيط الأمل الذي سرعان مايكون واقعا بإذن الله تبارك وتعالى يبقى المسلم ينظر إلى وعد الله الصادق ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) إن الباطل كان زهوقا حقيقة كتبها الله فمهما كان للباطل صولة وجولة ودولة فسرعان مايزول ومنه قضاها الله ولن تجد فانتفاخ الباطل وانتعاشه دليل على زواله لأنه باطل ليس له حقيقة ، فمهما حاول أهله التمويه بعظمته وقوته ورسوخه إلا أنه هش سريع الزوال كشعلة الهشيم ترتفع في الهواء ثم تخبوا سريعا وتستحيل رمادا .
( إن الباطل كان زهوقا ) لأنه لايحمل عوامل البقاء بذاته إنما يستند في بقائه على الظلم والطغيان ، فسرعان ما تهوى أركانه وينهار بنيانه .
أما الحق فهو يحمل ثباته من بقائه من حفظ الله له ولأهله ، وإن وقفت أمامه وضده الأهواء إلا أن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء ( إن الباطل كان زهوقا ) لأن من ورائه الشيطان والأهواء ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أعظم وأقوى وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان إلا وذاق معه حلاوة الوعد وصدق العهد ومن أوفى بعهده من الله ومن أصدق من الله حديثا ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصغون ) .
فالحق بقوته الذاتية وبتأييد الله له وتمكينه لأهله يدفع الباطل ويزهقه فينهي تلك الحياة والقوة الزائفة .
( قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق ومايبدئ الباطل ومايعيد )
فكم من صولات للباطل أدحضها الحق ودفعها وأزالها وكم من دعوة باطلة محاها الحق في عالم النسيان ( ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ) .
فمهما ارتفع الباطل وانتعش فإن له ساعة تمحقه وتزيله ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) .
فمهما استأسد أهل الباطل بسلاحهم وأقلامهم وأعلامهم فما أسرع زوالهم وزوال باطلهم .
( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) .
فالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية وهو يلم في طريقه الغثاء فيطفو عل وجهه على صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان وهذا الزبد نافش راب منتفخ ولكنه في الحقيقة غثاء والماء من تحته ساكن هادئ ولكنه الماء الذي يحمل الخير والحياة للناس .
فذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدوا رابيا طافيا عظيما قد حجب الحق فسرعان مايزول ويذهب جفاء مطروحا لأنه لاحقيقة له ولابقاء ولاتماسك .
والحق يظل هادئا ساكنا يبقى في الأرض ليحي الأرض بعد موتها وتكون فيه حياة الناس .
فالحق باق ومنصور ومؤيد فيبقى أهله الذين ينتسبون إليه فمن تمسك به فهو أهل للنصرة والعزة والكرامة ومن زهد به وآثر غيره فمصيره مع من آثر يوم القيامة ( فالمرء مع من أحب يوم القيامة ) .
أيها الأخوة
التاريخ شاهد بنصرة الحق وخذلان الباطل ، فقد سطر التاريخ ملاحم الحق وانتصاره وهزائم الباطل واندحاره .
سطر التاريخ انتصار الحق والعدل والسنة وسطر هزيمة الباطل والظلم والطغيان والبدعة والشبهة والفتنة .
فكم سطر التاريخ من الفتن والدعوات المضللة عصفت بأصحابها فجعلتهم هباء منثورا ، فلم يكونوا شيئا مذكورا فكم سطر في التاريخ قادة للباطل ودعاة إليه وأئمة للكفر انهار بهم باطلهم في نار جهنم .
وكم خلّد التاريخ ذكر رجال صادقين أوفياء لدينهم لم يفتنهم زيف الباطل ولم يرهبهم زبد الباطل وصولته فبقوا ثابتين صامدين على الحق وصبروا على الأذى فكانت لهم العقبى وجميل الذكرى في الآخرة والأولى فهم شامة بين الورى ونجوم بها يقتدى ويهتدى .
أيها الأخوة
ما أحوجنا في زمن انتفاخ الباطل وصولته بالثقة بالحق الذي عندنا بالثقة بوعد الله بالثقة بالحق فلا تفتننا بهارج الباطل وصولاته ، وشبهاته ولايصدنا عن الحق ضعف أهله بل يزيدنا ثقة وسكينة وطمأنينة فنعد أنفسنا أنصارا للحق وحماة له ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ...) فمن نصر الحق كانت النتيجة ( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) .
ما أحوجنا إلى أن نعتز بالحق الذي ننتمي إليه فلا يتسلل إلى قلوبنا ضعف ولاخور ولا يأس ولاقنوط .
ما أحوجنا إلى أن ننظر إلى نفوسنا وأفعالنا وأقوالنا وتصرفاتنا هل نحن نمثل الحق ونمتثله في حياتنا .
هل نحن على الحق وطريقه سائرون حتى يكتب لنا الوعد الصادق ( لاتزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لايضرهم من خذلهم ولامن خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) .
د.أحمد بن صالح الطويان |