| في التاريخ عبرة وعظة
في وقت الأزمات والشدائد تستلهم الدروس والعبر ففي الصحيح عن جابر قال : إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كديه شديدة فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لانذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيلا .
وفي رواية أحمد ( فجاء وأخذ المعول فقال بسم الله ثم ضرب ضربة وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر فصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية فقطع آخر فقال الله أكبر أعطينا فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني ) .
وقال المنافقون محمد يعدنا أن نأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط وأنزل الله ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) .
وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ مازوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ... ) الحديث .
وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبل الله عز وجل ) .
أيها الأخوة
وتمضي الأيام وترفع رايات الجهاد ويخرج الصحابة الكرام للجهاد في سبيل الله وتسقط مدن كسرى وقيصر الواحدة تلو الأخرى في معارك فاصلة سطرها التاريخ بدماء زكية كاليرموك والقادسية وأجنادين والنمارق والجسر والبويب وغيرها ... ويغنم المسلمون خيراتها وكنوزها .
وفي سنة عشرة من الهجرة النبوية تقهقر هرقل بجنوده وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام ياسورية تسليم مودع لم يقضي منك وطره وهو عائد .
وفي هذه السنة لما عزم على الرحيل من الشام وبلغ ابُّرها طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم فقالوا : إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك فتركهم فلما وصل إلى شمشاط وعلا على شرف هناك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال عليك السلام ياسورية سلاما لا اجتماع بعده ، أسلم عليك تسليم المفارق ولايعود إليك روميّ أبدا إلا خائفا ثم سار هرقل حتى القسطنطينية واستقر بها ملكه وقد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين فقال أخبرني عن هؤلاء القوم فقال أخبرك كأنك تنظر إليهم هم فرسان بالنهار رهبان بالليل لا يأكلون في ذمتهم بثمن ولايدخلون إلا بسلام يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه .
فقال لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدميّ هاتين .
نعم لقد ملك المسلمون موضع قدميه وفتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح ودخلت في الإسلام وستفتح آخر الزمان هي وروما كما أخبر بذلك الصادق المصدوق . وأما الفرس فقد توالت عليهم الهزائم ومزق الله ملكهم حتى انتهى الأمر بجيوش المسلمين على مشارف عاصمة ملكهم .
وأخبر سعد رضي الله عنه أن كسرى عازم على أخذ الأموال من المدائن وإن لم تدركه فات عليك .
فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة وقد أسود ماؤها ورمت بالزبد من كثرته فقال رضي الله عنه إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم .
وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنيانكم قبل أن تحصركم الدنيا إلا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعا عزم الله لنا ولك الرشد فافعل .
فعند ذلك ندب سعد الناس على العبور وانتدب من القوم من يحمي الجانب الآخر فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجله فقال أتخافون من هذه النطفة وتلا قوله تعالى ( وماكان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاب مؤجلا ) ثم اقحم فرسه واقتحم الناس فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا مجانين ثم قالوا : والله ماتقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا فقطعوا النهر جميعا ودخلوا المدائن ولم يجدوا فيها أحدا يذكر ودخل المسلمون القصر الأبيض ودخل المسلمون ايوان كسرى واتخذه سعد مصلى فلما دخله تلا قوله تعالى ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ) وصلى صلاة الفتح ثمان ركعات وجمع بهم في صفر من سنة ست عشرة من الهجرة فكانت أول جمعة بالعراق ووجد كنوز كسرى من الذهب والفضة وعرش كسرى وكرسيه وتاجه وثيابه وبسطه .
وبعث سعد بشر بن الخصامية بثياب كسرى وحلته وتاجه وكنوزه وبساطه إلى عمر .
وقال عمر إن قوما أدوا هذا لأمناء فقال علي أنك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت .
وألبس عمر رضي الله عنه ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بني مدلج رضي الله عنه وألقى إليه بسواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يديه فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج .
وإنما ألبسهما سراقة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة في طريق الهجرة ( كأني بك ياسراقة وقد لبست سواري كسرى ) .
وقال عمر رضي الله عنه لما رأى هذه الأموال وهذه الحلل وهذه الأسورة والسيوف من الذهب والتيجان ( اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني ومنعته أبا بكر وكان أحبّ إليك مني وأكرم عليك مني وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي ثم بكى حتى رحمه من عنده ثم قال لعبدالرحمن بن عوف أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تسمي .
أيها الأخوة في الله
تلك أخبار من سبق زال ملك الكافرين وأعز الله امة المسلمين .
إنه ما من أمة تطفى وتتجبر إلا أن يكون هلاكها قريبا ولكن هي السنة الباقية ( ويتخذ منكم شهداء ) إن سقوط الفرس والروم لم يكن إلا بنفوس قتلت في سبيل الله ودماء أريقت في سبيل الله وبنصرة الله على أرضه على النفوس والمجتمعات حتى يتسنى النصر ويُمكن للأمة .
وإن مايعيشه المسلمون اليوم من الذلة والمهانة والوهن والهوان إنما هو نتيجةأفعالهم ( إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ) .
وإن المسلمون ليفتح باب الفأل مع العلم الجاد .
فالرسول صلى الله عليه وسلم مع إخباره بالنصر والتمكين عمل على حفر الخندق والدفاع عن بلاد الإسلام والمسلمين . وإن المسلم اليوم لاينسى قدرة وقوته وأمره جلّ وعلا .. فكل شيء بقضاء وقدر والعبد يسعى فما أُمر .
ولايستعظم قوة الكفار وكثرة جمعهم وعددهم وعدتهم وتقدم سلاحهم وعتادهم . فيبقى المسلم واثقا بربه جل وعلا متوكلا عليه ، محسن الظن بربه مستصغرا كل قوة أمام قوة الله سبحانه وتعالى .
د.أحمد بن صالح الطويان |