| من هو القدوة
الحمد لله حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله وخيرته من خلقه أشرف البرية وأزكاها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .. أما بعد
يعيش المجتمع الإسلامي اليوم حربا في مجال القدوة والأسوة فقد اختفت معالم الإقتداء والتأسي عند المسلمين لما يعيشه العالم اليوم من انفتاح وتوسع وانتقال للأفكار والثقافات والأخلاق .
مما جعل كثير من المسلمين تختفي أمامه معالم القدوة التي يجب الإقتداء بها .
ولقد حمل أعداء الإسلام على عاتقهم إيجاد قدوات في العالم الإسلامي تدعوا إلى أفكارهم وزبالة حضارتهم وسلطت عليهم الأضواء ومنحتهم الشهرة .
أيها الأخوة
للقدوة أثر في التربية وأثر في الثأثر ، ولذلك حرص الإسلام على تربية الأجيال المسلمة على القدوة الصالحة ، فالقدوة هي من أكبر المؤثرات على سلوك الشباب والنشء فقد فطر الإنسان على المحاكاة والتقليد .
ومن هنا كانت القدوة عاملا كبيرا في صلاح المجتمعات والقدوة تختلف باختلاف المراحل فالأطفال قدوتهم غير قدوة الشباب والنساء قدوتهن غير قدوة الرجال وهكذا ...
ومن هنا كان لزاما أن ننظر إلى من نقتدي به ومن يقتدي به أولادنا وفلذات أكبادنا .
ولقد غزينا في مجتمعاتنا الإسلامية بقدوات منحطة في أخلاقها وفي ديانتها وفي أشكالها وصورت بصور النجاح والتقدم وبصورة الشرف والكمال والامتياز والتميز .
حتى صار كثير من شبابنا وفتياتنا يرون أن الكمال هو الوصول إلى ماوصلوا .
والشرف هو تقليدهم ومحاكاتهم والتخلق بأخلاقهم .
أيها الأخوة
إننا حين نتكلم عن القدوة لا نتكلم عن فراغ إنما هو عن واقع مأساوي تعيشه الأمة اليوم في شخصيتها الهزيلة المريضة .
لو رجع كل منا لأولاده وسألهم ماذا تتمنوا أن تكونوا من الذي تحبون ، ومن هو المشهور عندكم .. أسئلة كثيرة تكشف لك الواقع الذي انتجته الطعنات الكافرة في جسد الأمة الطاهر.
( وودوا لو تكفرون ) مع غياب التربية الصحيحة وغفلة المصلحين .
يتسلل الخطر إلى أسرنا وإلى عقول أولادنا أيها الأخوة
إن الإسلام بنى القدوة وربطها في رأس القمة بالنبي المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .
ولما ذكر الله لنبيه أنبياءه السابقين قال ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) .
فهذا الرسول القدوة يؤمر بالاقتداء بأنبياء الله قبله لقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل وكان مربيا بسلوكه الشخصي ( كان خلقه القران ) .
فهو الترجمان الحي لفضائل القران وهو الصورة المتحركة لتوجيهاته الخالدة . فهل نحن علّمنا أولادنا سيرته عليه الصلاة والسلام وربطناهم بحياته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم .
وإن في أصحابه من بعده الذين اختارهم الله لصحبة نبيه قدوة وأسوة للأجيال فهل نحن علّمنا أولادنا من بين وبنات حياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابيات .
علمناهم على أخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم .
في الأمة أعلام السلف في حياتهم وجهادهم وكفاحهم مدارس للأمة بعدهم فهل هم قدوتنا .
ومن تشريعات الإسلام في مجال القدوة تحريم مشابهة المشركين والتشبه بهم ( من تشبه بقوم فهو مؤمن ) .
وهذا التشبه في الظاهر يولد الارتباط الوثيق بين الظاهر والباطن ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر.
فالتشبه بأمور دنيوية تورث المحبة والمولاة فكيف بالمشابهة في الأمور الدينية فإن إفضاءها إليها نوع من الموالاة أكثر وأشد .
قال شيخ الإسلام وهذه الأمور الباطنة الظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة مما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورا وأحوالا وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سنته وهي الشرع والمنهاج.
فكان منها أن شرع له من الأعمال والأقوال مايباين سبيل المغضوب عليهم والضالين فأمر بمخالفتهم في الهدى الظاهر .
لأن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة يجد في نفسه نوع التخلق بأخلاقهم ويعيد طبعه متعاطيا لذلك .
ومشاركتهم في الهدى الظاهر توجب الاختلاط والظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهرا بين المهديين والمرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين .
هذا إذا كان الهدى الظاهر مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم فأما إذا كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم فهذا ـــ ينبغي أن يتفطن له .
أيها الأخوة
إن أحوالنا اليوم هي كما وصف الشيخ رحمه الله فانظر إلى ألبسة الشباب وشعورهم وأشكالهم تجد الحقيقة المرة وانظر إلى ملابس النساء وهل هن يأخذ إلا من المعرضات الكافرة وانظر إلى الحجاب وإلى ما وصل إليه هذه عبارة فرنسية وهذا كذا وكذا ..
إن محلات الأزياء ومايعرض فيها دعوة صريحة للإقتداء والإهتداء بطريقة الكافرات .
هنا من اللباس وغيره حدث عنه ولاحرج وهو تكفير الناس واهتماماتهم ماهي عاداتهم ونمط حياتهم ماهي مساكنهم ومجالسهم وماهي أكلاتهم وماهس مشاربهم ... والله المستعان .
إننا بحاجة شديدة إلى معرفة القدوة الصحيحة وأن نربي أجيالنا المسلمة على الاقتداء والاهتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
نظهر حياتهم وأسمائهم ومناقبهم وفضائلهم لهم ولا نترك المجال لأعدائنا لمسخ أولادنا .
ولنحذر أولادنا من تلك النماذج التي يظهرها أعداء الإسلام على أنها قدوات ونماذج يحتذى بها وذلك بإظهار مخالفته لشريعة الله وتخليهم عن تعاليم الإسلام وأخلاقه ومثله العليا .
ولنبين لهم أن القدوة الصحيحة هي التي تقودنا إلى الجنة ورضوان الله وإن القدوة السيئة التي نراها تقودنا إلى طريق النار وأعمال أهل النار إلى مايغضب الله . لنغرس فيهم هذه المفاهيم .
إننا نذهب بأولادنا لتطعيمهم من الأمراض المعدية والمستعصية والخطيرة وإن تحصينهم من الشرور أولى وأحرى . لقد فقد الأسرة المسلمة اليوم هويتها لغياب المربي الناصح الذي شغله جمع الدرهم والدينار ليقي أولاده حر الشمس والصيف وبرد الشتاء ليوفر لهم الحياة السعيدة في الدنيا .
ونسي وتناسى أن يبحث عما يسعدهم في الآخرة ومايقيهم نار جهنم .
مع الأخذ بأسباب طلب الرزق في الدنيا دون نسيان أمر الآخرة .
أيها الأخوة
نحن أمة معطاءة ولها شخصيتها الإسلامية الفريدة ، فالمسلم حاله ليست كحال الكفار وهو يعيش في هذه الحياة لهدف أسمى وحقيقة عظيمة فهو مربي للأرواح قبل الأجسام وهو مغذي للعقول قبل البطون ... يتقلب في الحياة للوصول للدار الآخرة فهو يعمل ويُعد لها عدتها .
فسمو الروح والأخلاق هي التي حفظت لأمة الإسلام كرامتها ولم يحفظ لها كرامتها الترف والنعيم والتلذذ بالحياة الدنيا .
د.أحمد بن صالح الطويان |