|
عندما تختل الموازين
الحمد لله معز من أطاعه ومذل من عصاه أحمده سبحانه وأشكره من توكل عليه كفاره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له لا إله غيره ولا رب سواه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكرمه ربه بالرسالة واصطفاه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن ولاه .. أما بعد
أيها المسلمون
( اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) .
أيها الأخوة
لقد أنزل الله كتابه الحق نورا وهدى وتبيانا لكل شيء يهدي للتي هي أقوم يهدي للتي أقوم للعقائد الصحيحة والتوحيد الخالص وللعيادة الصحيحة والاستقامة في السلوك والمنهج والاعتدال في الطريقة والفكر والعمل .
يهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض أفرادا وجماعات .
يهدي للتي هي أقوم في عقائد وأحكام وشرائع متوازنه لا مدخل فيها للهوى والمحاباة ولا مجال للمصالح الخاصة والأغراض .
أحكام مبنية على العدل هي القسطاس المستقيم توزن بها القيم وتتميز بها الحقوق وتقاس فيها الأعمال والتصرفات .
ميزان حق وضعه الله تعالى ولم يضعه بشر ( والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) .
هذا التوازن وهذا العدل أمره خطير وشأنه عظيم يعجز أن يستقل به الإنسان لا يدركه بعقله المحدود ولا يناله بعلمه القاصر .
البشر تؤثر عليهم الميول النفسية والنزاعات الشخصية والعلاقات الأسرية والانتماءات الحزبية والارتباطات الإقليمية والعنصرية .
فكل هذه غالبه عليهم لا محالة شعروا أو لم يشعروا شاءوا أم أبوا .
من أجل ذلك فإن أي منهج يضعه البشر لأنفسهم فهو منهج ناقص يتجاذبه الإفراط والتفريط والغلو والتقصير ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .
جاء القران ليبدد سجة الظلم والأثرة والأنانية ويضع ميزان الحق والعدل يأتي التذكير بهذه الحقيقة وعالمنا اليوم يموج بمبادئ وشعارات انقلبت فيها الموازين وتغيرت بها المعالم الربانية .
سموا فسادهم إصلاحا وخيانتهم أمانة ( قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ( أفمن زين لهم سوء عمله فرآه حسنا وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) .
كل هؤلاء مختلة موازينهم بسبب كفرهم وفساد سرائرهم ميزان الخير والشر والصلاح والفساد والحق والباطل يميل مع الأهواء الذاتية والمصالح العارضة والتوجيهات الفكرية .
وهذا فرعون مثال الميزان الفاسد حين قال في حق نبي الله موسى ( إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) .
ويقول عن نفسه ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) .
أيها الأخوة
حين تنقلب الموازين تطيش العدالة ويحكم على الأبرياء بالفساد ويخون الأمين ويستأمن الخائن .
لقد أمرنا الله في كتابه بالعدل مع من نكره وتبعضه ( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) .
والعدل في الحكم على الأشخاص في القول والعمل .
إذا كان المسيطر على النفس الهوى وحب الذات والأنانية والأثرة فإن ماسواها لا يساوي شيئا وإذا كان الحسد قائد الشخص أورده الموارد المهلكة .
إن التعامل البهيمي الذي يتعامل به هؤلاء مع غيرهم من الناس يجعل شريعة الغاب هي السائدة والقوي ينهش الضعيف ولا يبالي لادين يردعه ولا خلق يوقفه ولا حياء يمنعه .
أيها الأخوة
إن مظاهر انقلاب الموازين واختلالها عند بعض الناس واضحة وجلية .
فهم يحكمون على الأشخاص بموازينهم الأرضية وتفكيرهم المادي .
يحكمون بالمال والجاه والمظاهر الخادعة ويَزِنون الناس بميزان التراب والطين وينظرون إلى الناس بمنظار اللغة والعرق والجنس .
يحكمون على الأشخاص بالمصالح والأهواء والعلاقات والارتباطات .
أيها الأخوة
عندما تختل الموازين يكون صاحب الباطل محقا وصاحب الحق متهما وتكال له الاتهامات ويتقول عليه حتى يصير علما على الباطل .
ويصوّر الفساد بأنه إصلاح وتقدم وازدهار وحرية ومدنية ويصور الحق بأنه تخلف ورجعية وقيود وأغلال .
إن اختلال الموازين يعمى عن الحق وينسى الحقائق ويزور الشر فيكون خيرا .
أيها الأخوة
إن أصحاب هذه الموازين الملتوية هم الدعاة على أبواب جهنم يزينون الباطل بمعسول الكلام وبريق المظاهر حتى يخدع السذج من الناس ويضيفون على باطلهم مصالح وهمية تكون قائد لبعض الناس إليه يظهرون النصح والإشفاق ويبطنون الحقد والحسد .
تغيّرت المسميات وسميت بأسماء أبعد عن الاستنكار فالمحرم صار بها حلالا والحلال حراما يسمون الخمرة بغير اسمها والزنا بغير اسمه والربا بغير اسمه ، ترويجا للباطل ودعوة للفساد .
عندما تختل الموازين تطيش بالأكفاء المؤمنين الأمناء وتذهب بأقدار الرجال وتخسر الأمة فلذات كبدها ويسوّد غير الكفء ويسند الأمر إلى غير أهله .
لقد نهانا رسولنا صلى الله عليه وسلم عن أن نقول للمنافق سيدا لأن يغضب الله تعالى وقال للأنصار قوموا لسيدكم يعني سعد بن معاذ .
أيها الأخوة
فإذا كانت الألقاب لا توضع إلا في مواضعها خشية التباس الحقائق فكيف بغيرها .
أيها الأخوة
وإن دواء ذلك كل معرف الحق وأهله والتسلح بسلاح العلم والهدى التجرد عن أهواء النفس وشهواتها وإنكار الذات وحب الخير للآخرين والتثبت من كل قول يرد وكل إشاعة تقال وعدم الانخداع وراء المظاهر والشكليات وأن نتمسك بالميزان الحق بكتاب ربنا وسنة نبينا حتى نسير على منهج حق في التعامل مع الآخرين وحتى يحصل الخير والصلاح .
د.أحمد بن صالح الطويان |