|
أفغير دين الله يبغون
إذا نزل مرض هرع الناس للبحث عن العلاج وطلبوا الدواء من أي مكان وصار الوقت مناسبا للدجالين أن يعرضوا أدويتهم الوهمية .
فمنهم من يتطبب في الناس ليكسب مالا وجاها ولو كان على حساب الآخرين ومنهم من يصف الدواء القاتل ومنهم من يصف الدواء المسكن الذي سرعان ما يرجع الألم بعد ذلك .
ومن الأطباء من يكون ناجحا يصف الدواء الذي يقلل المرض ويزيل أعراضه .
ومنهم الطبيب الماهر الحاذق الذي يعالج أصل المرض ومنشأه بإذن الله تبارك وتعالى .
وإن أعظم الأمراض التي تصيب المجتمعات الأمراض الفكرية المعنوية التي تسبب آثار خطيرة فتفتك في المجتمعات وتسري سريان النار في الهشيم .
حين ينظر إلى تلك الانحرافات الفكرية الخطيرة لنجد أنها طرفي نقيض وحين يدعو بعض الناس لعلاج أحد الطرفين بغرض الآخر فهذا هو الانحراف بعينه .
فإذا أردنا أن نعالج الفهم الخاطئ للإسلام والأخطاء الناتجة عن هذا الفهم بالدعوة للتخلي عن الدين وبلمز شريعة الله والاستهزاء بشرع الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته .
وإدعاء أن هذا هو العلاج الناجح بغرض الفكر المنحرف الآخر الذي يريد من المسلمين التخلي عن دينهم وعقيدتهم وشريعتهم .
فهذا يزيد الجرح والمرض ويهز مشاعر المسلمين أن يتجرأ أصحاب الانحراف لغرض انحرافهم لعلاج أغراض أخرى .
وهم بحاجة إلى العلاج ووصف الدواء فطبيب يصف العلاج للناس وهو عليل فأيها المعلم غيره هلا كان لنفسك ذا التعليم .
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت فأنت حكيم .
أيها الأخوة
ومن هنا وجب على من أتاه الله علما ورشدا أن يتصدى لوصف الدواء لكلا الطرفين منطلقا مما انطلق منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة .
متجردا من الأهواء والنزعات متمسكا بأصول الشرع المطهر .
أيها الأخوة
من الناس من يريد تحكيم العقل والعواطف مجردة عن نصوص الوحيين الكتاب والسنة .
فأقول أن مخاطبة العقل وحده لاتكفي في علاج أي أمر من الأمور إذ لم يحكّم الشرع .
ولقد عاشت مجتمعات كثيرة حكمت عقولها ونبذت شرع ربها فلم تجني إلا الوبال والدمار والفساد .
وإن الحياة المطمئنة والسعيدة التي تسودها الأخلاق الفاضلة والقيم العالية هي الحياة التي تحكم بشرع الله ومنهج الله لعباده الذي شرعه لهم .
ولكن حين يخطئ طرفي النقيض في فهم الإسلام الحقيقي وصورته الناصعة فيتنادى هؤلاء لغرض الإسلام الذي يفهمونه ويتنادى هؤلاء لنبذ الإسلام الذي يتصورونه في أنفسهم هو أنه دين رجعية وحجر على العقول ووحشية وهمجية .
حينئذ تضل أفهام وتزل أقدام ويبقى بعض الناس حائرا ماذا يفعل .
وتتجدد الحاجة إلى طرح منصف غيور على دين الله أن يشوه بالإفراط أو بالتفريط .
فأقول إن الإسلام جاء في منهجه ( ولاتزر وازرة وزر أخرى ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يجني الجاني لايبغ باغ إلا على نفسه إلا على نفسه ) .
فكما أن من ادعى الطب لايجني على الأطباء ومن أدعى الهندسة لايجني على المهندسين .
وجاء في منهج الإسلام أنه لاتحكيم للعقول والعواطف دون الشرع ، بل أن المسلم لايتصرف تصرفا إلا بشرع الله عز وجل بل شرع للمسلم حتى في أموره الاعتيادية الفطرية آدابا شرعية في النوم والاستيقاظ في الأكل والشراب في الملبس في المركب .
فدين الإسلام دين شمل نواحي الحياة والمسلم يعيش في هذه الحياة ليطبق هذا المنهج الرباني المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولن تجد الأمة رخاء وسعادة وطمأنينة وأمنا ورغدا إلا بتطبيق هذا المنهج الرباني الفريد الذي كفل الحقوق وحفظها وراعى العهود واحترم المواثيق وهذا الدين الوسط العدل الخيار الذي نعمت به البشرية قرونا متتالية امتدت على مشارق الأرض ومغاربها فسمت العدالة والإنصاف وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .
ولكن لما تغيب هذا المنهج عن الأرض اختلت الموازين واضطرب المقاييس واختلفت الآراء وتعددت السبل وكل يدعي أنه على الحق وغيره على الباطل وكلهم يدعي أنه يقدم مجتمعا آمنا مطمئنا فلا يستطيع أحد أن يقوم بذلك ولن يستطيع إلا على صلح به أول هذه الأمة .
فليس هناك منهج أهدى من منهج الله هو الذي خلقنا ورزقنا وأنزل شريعته على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي تركنا على المحجة البيضاء لايزيغ عنها إلا هالك .
فهل ترتضي البشرية والأمة المحمدية منهجا غير هذا المنهج فإن ارتضت فهي الهالكة مهما سعت في حضارة ونعمت برغد عيش إلا أنها لاتستطيع أن تعيش الحياة الطيبة .
قال الله تعالى ( ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون ) وقال تعالى ( فمن ابتع هداي فلا يضل ولايشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) .
وأن الأمة اليوم وهي تبحث عن الحياة الطيبة المطمئنة من غير الله هي عمياء عن الحق وعن النور والهدى .
أيها الأخوة في الله
فالعلاج كامن بفهم هذه الشريعة والعلم بها وبأسرار هذا الدين القويم والاعتزاز به وجعله دستور الحياة ومنهج التعامل .
بالعلم يقضى على الجهل بالعلم يهتدي الضال وبالعلم تحكم العواطف والعقول بالعلم يستنير الطريق وتتضح المحجة وتقوم الحجة .
بالعلم تقطع النزعات والخلافات وتتحد الجهود وتبني العقول والمقصود بهذا العلم هو علم الشريعة المستمد من نور القران والسنة .
ليس فلاسفة الفلاسفة أو الأفكار الآسنة أو المفرقعات الصحفية أو الأقاويل التي تنقل عبر الشبكات المعلوماتية فهذه لاتزيد المرض إلا مرضا ولا الجرح إلا تعفنا .
وإن تعجب فعجب من أولئك الأقوام الذين زهدوا بميراث النبوة وبهدي الرسالة بشريعة أرحم الراحمين ( إن كان بكم رحيما ) وبهدي سيد الثقلين ( وبالمؤمنين رءوف رحيم ) .
فهل هناك نظام أرحم بنا من رحمة أرحم الراحمين ومنهج الرسول الكريم ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) .
فمن يتولى بعد ذلك عن منهج هذا الرسول الرحيم الذي بلغ للبشرية هذه الرسالة الخالدة وهذا المنهج الفريد فبصّر الله به بعد الغواية وهدى به بعد الضلالة ففتحت به آذنا صما وعيونا عميا وقلوبا غلفا .
تحولت عقول كانت تعبد الأصنام وتئد البنات وتأكل الميتة وتشرب الخمور إلى قادة الأمم وبناة الأمة وخلفاء الأرض .
أنرضى بديلا عن ذلك كلا وألف كلا فكيف يجرؤ رتيع صقيع دعى أن يتقأ أفكاره بيننا ويهزأ بمنهج ربنا وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مستغلا الأحداث ليلصق التهمة بمنهج الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام .
كيف يتطاول بعض الناس على الدين والعقيدة فلصقون بها التهم وإننا بحمد الله في بلد الحرمين لانبالي بتلك الاتهامات وتلك الترهات فهؤلاء سقطوا من حيث أرادوا أن يصعدوا وانكشفوا من حيث أرادوا أن يلبسوا ويتقمصوا .
فكم اتهمت هذه البلاد بتحكيم شرع الله وكم اتهمت بإقامة الحدود والقصاص واتهمت بمخالفة حقوق الإنسان كما يدعية الأعداء اتهمت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتهمت بمحافظتها وكرامة نسائها اتهمت بعقيدة التوحيد والمنهج الصحيح وهي لاتبالي بذلك .
فما هذا النعيق الذي نسمعه ونقرؤه إلا امتداد لذلك الأسلوب القذر الذي يتنادى به الأعداء مستغلين كل حدث للنيل من هذا الدين ومن امتياز هذا البلد المبارك حفظ الله بلادنا من كل سوء ومكروه .
قال تعالى ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض وكرها وإليه ترجعون ) .
وقال تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) .
د.أحمد بن صالح الطويان |