| الامتحانات واقع وأمل
الحمد لله حمدا يليق بحلاله وعظيم سلطانه الحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل الضلال وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .. أما بعد
اعتاد الناس في أيام مضت من هذا الفصل الدراسي وفي كل فصل يذهب الأولاد إلى مدارسهم ويرجعون محملين ومتحملين من المعلومات والفوائد فمنهم من يستفيد ومنهم من يضيع .
وفي هذه الأيام يقف المجتمع بأسره إلى نهاية المطاف من تلكم العادة التي اعتدوها وتأتي فترة الامتحانات والاستعدادات لها وشحذ الهمم ومتابعة الجهد في المذاكرة .
وهي أيام عصيبة على الأسر ويقود الأب والأم زمام حياة أولادهم فيهتمون في المحافظة على أوقاتهم وعن قطع الشواغل عنهم لكي يجتازوا تلك الامتحانات بامتياز وتفوق .
وتبدأ النصائح والتوجيهات تنهال على الأولاد والوعود بالجوائز والحوافز تقدم لهم حتى تكون دافعا لهم ومشجعا ومرغبا .
وهذا عمل مشكور وسعي يذكر فيشكر للأبوين لكن همسة في آذان الجميع أين تلك الجهود في طوال أيام العام وأين ذلك الاهتمام في أمر الآخرة ومايبقى في الأولاد من الصلاح والخير .
إن مثل ذلك الفعل أيها الأخوة يدل دلالة على أننا نسير في طوال حياتنا في التربية على طريق الخطأ والإهمال ، ولو كان غير ذلك فلماذا التغيّر .
إن الإهمال الذي يعيشه الأولاد طوال فترة الدراسة إهمال أنتج انحرافا في الأخلاق وتدني في مستوى التحصيل شباب يعيشون بدون رقيب ولاموجه ولامرشد .
يسهرون فلا ينامون إلا مقاعد الدراسة وينصرفون من المدارس لمواصلة النوم ثم السهر في الليل ، لايرون أن وراءهم رقيبا ولامربيا . يعيشون عيشة البهائم يأكلون ويشربون ويتلذذون بالحياة بالشهوات والملذات .. فمن المسؤول عن مثل هؤلاء الشباب .
شباب يعيشون في زهرة حياتهم وعنفوان شبابهم تضيع حياتهم في تلك الانحرافات فإلى الله المشتكى وهو المستعان .
أيها الأخوة
دعوة للجميع أننا كما نهتم بأولادنا في أمور دنياهم أن نهتم في أمور دينهم ونجاتهم من عذاب الآخرة .
إن الله أمرنا بأن نقي أنفسنا وأهلينا نار جهنم ( يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) .
إننا كما نقيهم حر الصيف وبرد الشتاء لابد أن نربيهم عن أن لايسلكوا سبل الغواية والانحراف والدعاء لهم وبذل الجهد في ذلك .
أيها الأخوة
إن الدارسة والتعلم وسيلة للإصلاح والتربية على الأخلاق الفاضلة والامتحانات وسيلة للتقويم وليست غاية في ذاتها .
فهمسة في أذن الطالب النجيب أن يراقب الله وأن يسعى لتقوى الله في السر والعلن وأن يعلم أن الله يعلمه إن هو اتقاه ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) .
فلتكن التقوى لله شعارك و دثارك .
( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب ) راقب الله في كل حال من أحوالك واعلم أن الله مطلع عليك يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور .
وإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، واتخذ الدعاء سلاحا لك تتقوى به ووسيلة لك في تخطي المصاعب ، واعلم أنك حين تخوض غمار هذا الامتحان إنك في امتحان دائم ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) .
ذلك الامتحان الذي لاينتهي إلا بالموت ويوم القيامة تخرج النتائج فآخذ كتابه باليمين وآخذ كتابه بشماله أو وراء ظهره .
واعلم أيها الطالب أنك حين تنافس في الدرجات فإن أهل الآخرة يتنافسون في جميع الحسنات ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشه راضيه ) ( إن الأبرار في نعيم ) .
وأنت أيها الطالب حين تنظم وقتك وتبذل جهدك في الاستفادة منه خلال هذه الأيام فلماذا تلك الساعات الطوال التي تمضي من حياتك وعمرك وشبابك .
وأنتم أيها الطلاب الذين تلزمون المساجد أيام الامتحانات وتتخذوها مقرا لكم بعداً عن شواغل الحياة والملهيات اذكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله ( وقلب معلق في المساجد ) .
تعلقوا بهذه المساجد وألزموا الصلاة فيها والذكر وقراءة القران . أيها الشباب
إن الفوز والخسارة في أمر الدنيا يتغير ويتبدل فيكون الفائز خاسرا والخاسر رابحا في يوم ما .
لكن فوز الآخرة لابعده خسارة وخسارة الآخرة ليس بعدها ربح وفوز .
وعليكم أيها الطلاب بمراقبة الله وإياكم والغش فإنه من الكبائر واحذروا التساهل فيه وأسالوا الله الإعانة والتوفيق .
إنكم في هذه السنة تدخلون في أيام الامتحانات مع أيام شهر رمضان فماذا أعددتم لرمضان .
لاتشغلكم الامتحانات عن المنافسة في الخيرات لايمضي نصف الشهر وأنتم منهمكون في الامتحانات ولاتفكرون في عمل صالح .
إن الأعمال الصالحة في رمضان لاتؤثر على مذاكرتكم ولاتحصيلكم إذا نظم الطالب وقته وخصص جزء من وقته لقراءة القران والمحافظة على قيام الليل ، والدعاء والاستغفار والصدقة .
فهذه العبادة غذاء لأرواحكم وطمأنينة لنفوسكم وسبب لقربكم وصلتكم بربكم جلّ وعلا .
ولايدخل الشيطان عليك من هذا الباب ويعدّ ذلك من ضياع الوقت والتخويف من تدني المستوى .
بل اجعل نصب عينيك قوله تعالى ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) .
أيها الأخوة
وهمسة في أذن كل معلم أن يستغل أيام الامتحانات بتوجيه طلابه إلى الخير والاستقامة وتذكيرهم بخالقهم ويحيي جانب مراقبة الله في قلوبهم ويعطيهم الثقة في أنفسهم وإحسان الظن فيهم والأصل الثقة والعدالة إلا أن يحصل خلافها .
ولنبث روح الطمأنينة والهدوء في نفوسهم ، وأن نعاملهم بالرفق واللين ، ولنتجنب أسلوب التخويف والتهديد والتعجيز فنحن بحاجة إلى معلمين يتفهمون الشباب ويعايشون حياتهم ويراعون نفسياتهم ويحرصون على توجيههم وإرشادهم .
ولنعلم أن هذه الامتحانات وسيلة لمقياس التحصيل وليست غاية بنفسها . ولنتخذ العدل هو المقياس والفيصل في كل شيء فلا القرابة ولا المحبة تزيد ولا البغض والكراهية تنقص ( ولايجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) .
وليست الأسئلة حلبة بين الطالب والمدرس ولغزاً لايستطيعه إلا النوادر من الطلاب وإنما هي مقياس ووسيلة لذلك .
ولنعلم أن هؤلاء الطلاب لهم شعور وإحساس وكرامة فيجب علينا أن نراعي مشاعرهم وأحاسيسهم ولانخلق لهم جوا من الرعب ولنشملهم بالرحمة ( فإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
د.أحمد بن صالح الطويان |