|
حقيقة الشرف
الحمد لله الذي شرف المؤمنين بطاعته وأذل الكافرين بمعصيته وأشهد ألا إله إلا الله العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .. أما بعد
فطر الله الناس لمحبة الشرف والعلو والرفعة فالنفوس مجبولة على ذلك فاختلفت نظرات الناس وتوجهاتهم فمنهم من يرى الشرف بالمال والجاه من التعالي في البنيان وتشيد التصور ووفرة الخدم والحشم وفئة أخرى ترى الشرف في وفرة الفاخر من الثياب وفئة أخرى ترى الشرف في الألقاب الرفيعة أو في رتب الوظيفة وعلو أسمائها ومنهم من يرى الشرف في سلب أموال الناس والعيش منها ومنهم من يسهر ليله ويقطع نهاره بالفكر في وسيلة ينال بها لقبا من الألقاب أو يحصل بها على وسام أو يستفيد مالا بأي وسيلة كانت ولو أفسدت بيته أو أذل نفسه يبرر لنفسه أي طريق للوصول إلى مايريد معلنا قاعدة أهل الأهواء ( الغاية تبرر الوسيلة ) .
أيها الأخوة
لقد أخبرنا الصادق المصدوق عن مثل هؤلاء فقال ( ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) الترمذي .
ففساد الدين بذلك أشد من فساد الغنم بالذئاب .
أيها الأخوة
الحرص على الشرف صفة ملازمة لكثير من الناس على اختلاف طبائعهم وتوجهاتهم كل ينافس أهل طبقته حتى يصل النهاية كما يزعمون التي لايمكن أن يقتنع بها أحد منهم ولايقطعه من ذلك إلا الموت .
فهم يعدون الشرف ثمرة حياتهم وغاية وجودهم فهم يحقرون الدنيا عن فقد الشرف والعجز عن إدراكه ، يفنون حياتهم لإدراكه وكسبه ولو تجشموا صعاب الأمور .
هل ترى ماذا يشعر هؤلاء إذا خلو بأنفسهم إذا لم يكن له نصيب من الخلق والفضيلة والدين فهم وعراة الفقر سواء .
ألا يتصور مثل هؤلاء أن شرفهم الذي به يفترون وبه يبجلون ويحترمون أنهم بعد ذلك مرفوضون إلا لم يكن جميل عمل وطاعة تكرم .
لو نزع وسام الشرف الموهوم ماذا الإنسان بعد يكون ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض ) .
أيها الأخوة
هذه الألقاب الرفيعة لها شأن يرتفع به نظر الناس فله يخدمون ويبجلون ويحترمون ويعيش فيها أهلها عيشة السكارى الذين انخدعوا بما يصورهم به الناس ولكن سرعان ما ينفض به الناس بعد ذلك حيثما يسقط اللقب ويبقى الشخص وحيدا فهل ترى كان التعظيم والاحترام للقلب أو الملقب به .
أيها الأخوة
يشتد خطر طلب الشرف خطورة إذا حرص عليه الإنسان إذا كان عن طريق طلب الشرف بالولاية والرايات والمال وهذا خطر جدا وهو يمنع في الغالب خير الآخرة وشرفها وكرامتها ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولافسادا والعاقبة للمتقين ) .
وقل من يحرص على ولايات الدنيا بطلبها فيوفق ، قال عليه الصلاة والسلام ( يا عبد الرحمن لاتسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ) متفق عليه .
والولاية والإمارة المقصود بها الأعمال التي يكون فيها توليا على أعمال المسلمين وشئونهم سواء كانت عامة أو خاصة .
وحب الشرف بالولاية إذا قصد به الحرص على نفوذ الأمر والنهي وتدبير الأمور وعلو المنزلة عليهم والتعاظم على الخلق وإظهار حاجة الناس إليه وافتقارهم إليه ذلهم له في طلب حوائجهم منه فهذا والعياذ بالله يخشى عليه أن يدخل في قول الله تعالى في الحديث القدسي ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيها عذبته ) أحمد وأبو داوود .
ومن طلب الشرف والعلو على الناس بأمور الدين كالعلم والعمل والدعوة فهذا أعظم وأقبح وأشد فسادا وخطرا .
يقول عليه الصلاة والسلام ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا في الدنيا لم يجد رائحة الجنة يوم القيامة ) أحمد .
أيها الأخوة
إن الشرف الحقيقي هو شرف الآخرة وطلب شرف الدنيا لايجتمع مع شرف الآخرة ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) .
والمسلم حينما يقصد شرف الآخرة قد يجعل له شرف الدنيا بدون قصد ولاطلب .
وفي الحديث ( إن الله إذا أحب عبدا نادى يا جبريل أحب فلانا فيحبه جبريل ثم يحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ) البخاري ومسلم .
إن الذين يطلبون شرف الآخرة إذا شرفوا في الدنيا لم يكن شرفهم فيها قاطعا لهم عن طلب شرف الآخرة ولامزاحما له بل يستعملونه بما يوصلهم إلى الآخرة .
أيها الأخوة
شرف الآخرة دين يتبعه عمل ويصحبه حمل النفس على المكاره والمشاق والمتاعب وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر والشدائد بالجلد .
والشريف هو كل مؤمن بالله صادق الإيمان صحيح العقيدة طائع لربه أدى ماعليه من الأوامر واجتنب النواهي لم يستسلم للشيطان ولا النفس الأمارة بالسوء ولا للهوى متسلحا بسلاح الإيمان والطاعة .
فالشرف بهذا المفهوم بها للشخص ورفعة له في الدنيا والآخرة .
أيها الأخوة
إن تربية النفس لطلب هذا الشرف أمر صعب على النفوس ولكن بالمجاهدة والمصابرة واتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة وأصحابه والسلف الصالح والتمعن في سرهم وأحوالهم يقود الإنسان إلى طلب شرف الآخرة والثبات على ذلك .
وإن كثر في عصرنا طلاب الشرف الزائف وأغرت الدنيا ببريقها وزهرتها كثيرون من الناس .
أيها الأخوة
من شرف في الآخرة شرف في الدنيا ولو لبس أقل الثياب وأرثها ولو جلس على التراب وسكن أدنى البيوت تحبه القلوب ( طوبى لعبد أحذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لايشفع ) خ ــ ( رب أشغت أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) .
أيها الأخوة
إن شرف الآخرة بالنسبة للدنيا لايساوي شيئا فكما أخبر الصادق المصدوق ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) .
إن المؤمن الذي يرجوا الشرف في الآخرة وسعى في طلبه وشرف الدنيا لايهتم بهذا الشرف ولا يأبه به لعلمه بشرف الآخرة الذي لايساويه شرف .
والمؤمن حين يطلب شرف الآخرة تهون عليه المشاق في الدنيا ويتحمل كل مافي طريقه من المصاعب والمتاعب فإن كان أهل الدنيا بشرفهم المزيف يتحملون مايتحملون فأهل الآخرة هم أحق بذلك ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالايرجون ) .
إن الذي يريد شرف الآخرة لايدنس نفسه بأوحال الدنيا وأوساخها .
د.أحمد بن صالح الطويان |