| الاعتبار والاتعاظ
الحمد لله وهب لعباده البصائر والأبصار ودلهم على مواطن التفكر والاعتبار أله له الخلق والأمر تبارك الله أحسن الخالقين .
أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له بسط الآيات وأقام الدلالات وهو العليم الخبير وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله خير من نظر فاعتبر وقاد فانتصر فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون .
أيها الأخوة
الاعتبار خلق من أخلاق القران الكريم وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم .
والاعتبار يأتي بمعنى التأمل والتفكر والتأثر بالعظمة والتقبل للتوجيه والإفادة من سابق التجارب.
والعبرة هي الدلالة الموصلة إلى اليقين والعلم وحتى تأتي الآيات القرآنية بالأمر بالاعتبار وأخذ العبرة لتؤكد على المسلم أن ينتفع بكل مايسمع ويرى ويدرك أن ذلك درسا له ولغيره .
ولما ذكر الله أحوال السابقين في كتابه ، قال ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .
وقال ( إن في ذلك لذكرى لم كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) .
كل ذلك تحذيرا مما صنع مثل هؤلاء .
فإذا حصلت العبرة ووقع الاعتبار وقعت النجاة للمعتبر وإذا كان ضد ذلك صار الإنسان عبرة لغيره .
أيها الأخوة
إننا نسمع عن الزلازل والأعاصير والكوارث والفيضانات بل نرى ونشاهد ماوقع عبر وسائل الإعلام المختلفة وكيف خلفت من ضحايا .
أليس في ذلك عبرة وعظة واتعاظ بما أصاب القوم ووقع بهم من مصائب ومحن .
إن مثل ذلك يقود المسلم إلى التفكير بأسباب ذلك فيجتنيه ولاتدعوه الغفلة إلى تعليق ذلك إلى وسائل طبيعيه وأسباب مادية .
أيها الأخوة
يربط القران الكريم بين الدعوة إلى الاعتبار وما خلق الله في الكون من نعم ومن أشياء دالة على قدرته واعية إلى خشيته حتى لاينسى الإنسان الشكر من جهة .
والحذر من جهة أخرى ( يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) .
ويقول ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .
ومما يؤكد معنى الاعتبار والاتعاظ بما حدث وبما وقع بما قصه الله في القرآن من أحوال الأمم السابقة ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) فأصحاب الألباب والعقول المستنيرة هم الذين يتأثرون ويعتبرون بما يسمعون بما وقع وحدث فيجعلون ذلك طريقا لهم للتخلص مما هم واقعون فيه .
بخلاف غيرهم ممن صدّق أبليس عليهم ظنه فهم لايتأثرون ولايعتبرون وكما وصفهم القرآن ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك كالأنعم بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) .
ولما ذكر الله قصة موسى وفرعون وماحصل لفرعون قال الله ( إن في ذلك لعبرة لمن تخشى ) فالعبرة تكون لمن يخشى الله عز وجل .
فأهل الاعتبار والاتعاظ هل أهل الخشية والخوف من الله سبحانه وتعالى .
فكلما امتلأ القلب خشية وعظة كلما كان اشتد تأثرا واتعاظا .
وكلما كان غافلا معرضا عن الآيات والنذر فتزيده تلك الأحداث إعراضا .
( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) .
أيها الأخوة
لما كسفت الشمس خرج النبي صلى الله عليه وسلم ــــ يظنها الساعة ، وإذا رأى الغيم عليه الصلاة والسلام تغيّر وجهه حتى يمطر يخشى العذاب ووقوعه .
ونحن اليوم في عصر كثرت فيه الملهيات ومايصد عن ذكر الله وعن الصلاة .
نسمع ونرى ما يوجب العبرة والاتعاظ والخوف من الله سبحانه وتعالى .
وكأن المقصود به غيرنا ، وصار مجرد تناقل الأخبار ومشاهدة تلك الابتلاءات مجرد تسلية وصدق الله ( وكأين ن آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لايشعرون ) .
ولقد أنزل الله العذاب على أقوام وهم يلعبون ويمرحون في هذه الحياة ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لايرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ) .
( ولقد مكنا هم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بأيآت الله وحاق بهم ماكانوا به يستهزئون ) .
ولقد مكن هؤلاء القوم وأعطوا من النعيم ومن وسائل الاعتبار من الإبصار والسمع والفؤاد فلم يسمعوا ولم يبصروا ولم يعقلوا بقلوبهم فكان ذلك مصيرهم .
وكذلك غيرهم ممن لايستعمل بصره وسمعه وعقله بالاعتبار والاتعاظ .
أيها الأخوة
إن مايحدث من الآيات الكونية ومايجري في الكون من عقوبات هي عبرة للمؤمنين وشقاء على غيرهم .
( فأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ومايضل به إلا الفاسقين ) .
وإن من العبرة أن يقلع المسلم عن أسباب العقوبات .
ويرجع إلى خالقه جلّ وعلا فإن العباد ليس بينهم وبين الله نسب إذا هم خالفوا أمره .
فإن الذين أصاب غيرهم قد يصيبهم ويقع عليهم . وليعلم المسلم أن المدبّر هو الله سبحانه وتعالى يقول للشيء كن فيكون .
وليست الأسباب المادية والظواهر الطبيعية إلا أسباب فقط والمسبب هو الله سبحانه وتعالى فما كان من ذلك فبتقديره وقضائه سبحانه وتعالى .
د.أحمد بن صالح الطويان |