| رمضان شهر الانتصارات
الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده .
كلما أقبل رمضان كل عام أقبل معه الأمل وجاء السعد وتجددت الفرحة ، أمل الذكريات وفرحة الانتصارات ، أيام خالدة في تاريخ الإسلام حافلة بالخيرات اعتز الإسلام فيها وارتفعت ألويته خفاقة في كل مكان .
ففي رمضان ولد الإسلام وظهر نوره وبعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بعثه الله في أرض تموج بالفتن والشرك والضلال يفتك الأقوياء بالضعفاء ويتعالى الأغنياء على الفقراء لادين يحكمهم ولاعقيدة تعصمهم ولاشريعة تؤلف بينهم يعبدون الأصنام ويقتلون النساء وكان الفرس والروم يتحكمون في مصائرهم يبتزون أموالهم ويستنزفون دماءهم .
فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبادة الله وحده دعاهم إلى الحق فأبى أكثرهم وآذوه وجحدوا رسالته وأخرجوه من بلده فهاجر لينشر الإسلام في بقعة أخرى ، ولم ينقطع العداء ولم ينتهي الصراع بين الحق والباطل .
فالتقى الرسول الكريم وصحبه مع المشركين في بدر في هذا الشهر المبارك في السابع عشر فيه يوم فرق الله بين الحق والباطل ، يوم خرج فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لايملكون عدة ولاعدد ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) .
نصرهم الله لما كان أرواحهم المعنوية يثبتها الإيمان ويقوي عزائمهم الرغبة في الشهادة .
قالوا لنبيهم صلى الله عليه وسلم أمضي لما أمرك الله فنحن معك والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكنا نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون .
وقال سعد بن معاذ أمضي لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ماتخلف منا رجل واحد ، ومانكره أن تلقى بنا عدون غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله أن يريك منا ماتقر به عينك فسر بنا على بركة الله .
بهذه الروح القوية وبهذا الإيمان الصادق أستحق المسلمون النصر في أول معركة في تاريخ الإسلام .
ثبت القلة القليلة المؤمنة أمام الكثرة الباغية فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ، بل زانوا شهر الصيام بأفضل ماتزان به الأيام فكانوا رجالا مؤمنين صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا وسمي هذا اليوم يوم الفرقان لأن الله فرق بين الحق والباطل وتجلت البطولة الإسلامية المؤمنة من أولئك البدر بين الغر الميامين فارتفعوا إلى مستوى من الصدق والدفاع عن الحق يجعلهم أصلا للاستمساك بالعروة الوثقى وقدوة في طريق الحق ( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ماشئتم فإني قد غفرت لكم .
وتمضي ست سنوات من الكفاح والجهاد والصراع مع أعداء الله ويلعب اليهود دورا خطيرا في التآمر على الإسلام ومحاولة التخلص من المسلمين لكن الله لهم بالمرصاد فمكّن نبيه إجلاءهم من المدينة وكتب عليهم الذلة والصغار على أيدي هؤلاء الأبطال .
وفي العام الثامن من الهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العاشر من رمضان صائما مع أصحابه متوجها إلى مكة ومعه عشرة آلاف مجاهد كلهم شوق وحنين إلى بلد الله الأمين وأملهم أن يطهروا البلد الحرام من أوثان الشرك ومظاهره .
خرّج رسول الله نصرة لخزاعة التي اعتدى عليها من قريش وحلفائها فقتلوهم ركعا سجدا فجاء النصر على يد رسول الله .
خرج رسول الله لينهي الصراع بين المؤمنين وقريش ( لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيه ) .
خرّج رسول الله وصحبه الكرام لتطهير البلد الحرام من رجس الوثنية ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) .
فكسرت الأصنام وحطمت ، ودخل الناس في دين الله أفواجا .
وتمر المعارك تلو المعارك الإسلامية في شهر الصيام لتؤكد أن رمضان شهر الانتصار والقوة .
أيها المؤمنون الصائمون
أرئيتم إلى رمضان كيف كان مولدا للإسلام وعزا ومجدا للمسلمين ففيه انتصروا على عدوهم وهزموا الطغاة والجبابرة وأذلوا المشركين وأنقذوا الضعفاء والمشردين والمضطهدين تلك والله صفحات ناصعة في جبين الأمة المسلمة صفحات رجال أبطال سطروها بدمائهم لم يخافوا من الباطل ولم تكن عزائمهم أمام أعدائهم كلهم عزة بدينهم وافتخار بعقيدتهم .
لايرون في الكافر إلا أنه ضال يجب تقديم الإسلام له ، ولايرون في الكفر إلا أنه ظلم يزال وظلمه يجب أن يبددها نور الإسلام .
لم يركعوا لكافر ولامشرك ، ولم يذلوا يوما أنفسهم لايرون العزة إلا في الإسلام وإن العزة بغيره ذل ومهانة .
لم تخدعهم المظاهر والشكليات ولم يوالوا يوما يهوديا ولانصرانيا .
يرون الإسلام هداية للبشرية وإنقاذ لها من ظلمات الكفر وضلال الوثنية .
والخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة ، ولاتزال طائفة من الأمة المحمدية ناجية منصورة إلى قيام الساعة لايضرها من خالفها .. فهل نحن منهم .
أيها المسلمون الصائمون العابدون
ها هو رمضان تعيشه أمة الإسلام ومجازر المسلمين في كل مكان أتغيّر رمضان أم نحن الذين تغيرنا . أهو رمضان بدر والفتح ، أم ماذا ...
نعيش رمضان ونحن في ذلة غافلون ، نعيش رمضان ونحن منهزمون أمام أنفسنا وأعدائنا نرى فيهم القوة والتقدم والحضارة والرقي ، فنسعى في ركابهم ونعيش مثل حياتهم .
نعيش رمضان ونحن نحاول أن نكون مثل الكفار في عيشتنا ولباسنا وحياتنا .
نرى في الكفارة قوة لاتغلب وفي الإسلام ضعف لاينتصر .
قد بهرتنا قوة العتاد العدد وتقدم صناعات الحرب وكأن المدبر في الكون هم أعداؤنا .
نسينا أو تغافلنا عن مدبر الكون سبحانه وتعالى . أصبنا بخيبة الأمل وضعف النفس .
( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .
أيها الصائمون المصلون
إن الصائم والمصلي هو المعتز بدينه وعقيدته وشريعته ، يتعلق قلبه بربه جلّ وعلا فيثق بنصره ووعده . إذا وفّى بشرطه .
( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ) .
ونصرة الله هي نصر الحق وأهله ، وانتصار النفس على شهواتها وملذاتها وتقديم أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ، تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى .
إن كيد الشيطان ضعيفا والباطل زهوقا .
لكن ذلك لايتأتى إلا بعزائم صادقة وقلوب راسخة بالإيمان ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) ( وإن جندنا لهم الغالبون ) . أيها المؤمنون الصائمون
إن هذا الصراع القائم بين الحق والباطل هو سنة الله التي لاتتغير ولاتتبدل .
وإن مايدبره أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ضد المسلمين إنما هو خوف من الإسلام فسعوا إلى تخدير الشعوب وإضلالها عن حقيقة الإسلام وإشغالهم بالشهوات والملذات لينسوا دينهم ويتناسوه .
إن خوفهم من الإسلام وهو جعلهم يئدون كل دعوة إلى الحق وكل لسان يدعو للإسلام الحق.
وإظهارهم صورا مشوهة للإسلام .
د.أحمد بن صالح الطويان |