| ماذا أعدت الأمة لرمضان
تمر الأهلة وتتعاقب الشهور والأيام والليالي ويبقى رمضان عزيزا وضيفا كريما ، وتمر الليالي سريعا لتقبل ليالي رمضان لتضيء القلوب وتزيد النفوس إخباتا وإنابة .
ولتظهر ليلة القدر بأنوارها وخيراتها ( ليلة خير من ألف شهر ) ، تمر الشهور لنصل إلى خيرها وأفضلها فماذا عسى أن نعد لاستقبال الشهر الكريم والموسم العظيم ها هو رمضان يلقي بظلاله وتسطع أنواره بالأفق ويتهادى موكبه ليطل على المسلمين من جديد وعن قريب فماذا أردنا أن نكون في رمضان ، إن رمضان يشهد تحولاً في نمط الحياة وفي المأكولات والمشروبات وماتبثه الإذاعات والقنوات والصحف والمجلات .
إنه شهر الغفلات والتسابق في الفوازير والمسابقات والأسواق والتخفيضات والقمار والميسر والتفنن في عرض المحرمات .
أمة الإسلام لقد مات الإحساس عند كثير من الناس ولم يكن رمضان إلا موسما لتلك التنافسات في قطع الليالي بالسهر والغفلات .
ولم يكن رمضان يأتي بجديد عندهم إلا مجرد عادات ، إنك لتعجب من تلك الدعايات وتلك المسابقات والتخفيضات لتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتلك الحشود من البشر وهم يتجهون في أواخر شعبان وليلة رمضان إلى الأسواق ليملؤا بيوتهم بأصناف المطعومات والمشروبات .
لما كانت القلوب خاوية اعتاضت بالمظاهر وقنعت بالشكليات ، ولم يجد رمضان إلى تلك القلوب سبيلا لما حجبوها بالغفلة والإعراض .
يأتي رمضان ليجد عند الأمة مشاريع الإضلال والضلالات والتسابق المحرم في عروض مخزية ومناظر فاضحة وتهريج وتضليل لتقضي على آثار رمضان وروح الصيام .
أيها الأحبة
إلى الله المشتكى كم هي ألوان وميادين الغفلة والإعراض في رمضان ، وكم صارت تلك العبادات في رمضان عند بعض المسلمين مجرد عادة اعتادوها ولذلك لم تؤثر في نفوسهم ولم تغير من سلوكهم ، عبادة جوفاء لاروح فيها .
ولذلك انظر لواقع المسلم في رمضان في حياته وسلوكه هل للعبادة عليه أثر وتأثر .
أيها الأخوة
إن شياطين الإنس يزداد نشاطهم في رمضان وينفثون سمومهم وقيئهم على المسلمين فيما يتقيئونه على المسلمين في ليالي رمضان بأساليب ماكره وتمويه وتضليل وإغراء بالأموال والجوائز.
وإن الواجب على الأمة على دعاة الخير والإصلاح أن ينهضوا بدور فاعل في الدعوة إلى الخير ولا يتركوا المجال والميدان لشياطين الإنس .
ويبدأ الإصلاح من داخل البيوت وخارجها ومن الأحياء والعوائل والأسر في إيجاد البدائل والمشجعات والمحفزات على أعمال الخير وإشغال النفوس بالطاعة والإقبال على الله وإيجاد الأعمال الخيرية والتطوعية التي تنمي الخير وتنشر الفضيلة وتشع النور في القلوب .
والتعاون في ذلك من جميع أفراد المسلمين بالمال والجهد والعلم والدعوة ليصبح رمضان مدرسة للأمة التي تدخل القلوب . لنضع للقران أثرا على قلوبنا في رمضان ولصلاة التروايح معنى لنفوسنا في رمضان ، وللصدقة والعمرة وتفطير الصائمين والدعاء والاستغفار والفرائض والنوافل ، لنعيش هم الإصلاح في رمضان لواقعنا المأساوي الذي نعيشه في كل رمضان مضى .
فليالي رمضان ليست موسما للعبث وإيذاء المسلمين وإحياء الليالي أمام القنوات الفاسدة .
وليست موسما لنساء المسلمين في النزول إلى الأسواق وتعرضهن للفتنة لهن وبهن .
وليست مجتمعا للقيل والقال والنميمة والبهتان والغيبة .
لابد من إعادة النظر في ذلك كله ، لنعيش رمضان ليس كغيره من الشهور ، لنعد العدة ونعقد العزم على ذلك .
أيها الأخوة
ماعاشه أصحاب القلوب الحية في فراق رمضان الماضي لابد من تذكره فهاهي الفرصة تعود والموسم يتجدد فهل من تغيير إلى الأفضل والأحسن .
فما كان من أسف وندم ليكن اليوم عمل واجتهاد ومنافسة في الخير .
هاهو الشهر قد أتى بخيراته وفضائله وأنواره فأين تباشيره على الوجوه وفي الأفعال والأقوال أين مراسم الاستقبال .
( شهر رمضان الذي أنزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) .
أين من يريدون هداية رمضان والمغفرة في رمضان والرضوان في رمضان والعتق من النيران في رمضان .
لندرك أسرار الصيام وحكمه العظام ولنسعى لتربية أنفسنا بالصيام ولنتخرج من مدرسة رمضان.
رمضان الطهر والعطر رمضان الخير والفضل فيه نزل الذكر وليلة القدر .
رمضان نور على المآذن ونور في القلوب . ورمضان صوم عن الطعام وصوم عن الحرام .
إن كانت الشهور تنازعا على الحياة فهذا الشهر إدراك لسر الحياة وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام فهذا الشهر للحب والوئام .
رمضان شهر التوبة والإنابة والدمعة والبسمة ، شهر الدعاء والاستغفار .
هكذا عاشه الأوائل واليوم يعيشه القلائل يعيشون لذة رمضان ويتذوقون فيه طعم العبادة وأنس الطاعة .
عاشوا جمال رمضان وبهجة العبادة فيه لم يلطخوا ذلك الجمال بقنوات داعرة وعروض هابطة ومنافسات تصدر عن ذكر الله وعن الصلاة ، لم يشوهوا ذلك الجمال بالغفلة والإعراض والإغراق بالمظاهر والشكليات .
وإنما عاشوا رمضان بجماله وحلاوته فكان رمضان ملئ قلوبهم ونور عيونهم وجلاء أحزانهم وذهاب همومهم وغمومهم .
فكان رمضان بلسما شافيا لكل أمراضهم ومشاكلهم ونورا يضيء لهم الطريق ، وعونا لهم في مسيرة الحياة .
أيها الأحبة
في زمن الغفلة والإعراض ما أجمل أن يكون رمضان ريّا لقلوبنا نروي به عطش الروح وظل ظليل من وهج الحياة وبردا وسلاما من حرارة المعاصي والذنوب .
لتجد في رمضان نورا وضياء لنا في ظلمات الدنيا وراحة وأنسا في شقاء الماديات .
لنعيش في رمضان الحياة الحقيقية في متعتها ولذتها حياة الروح ولندرك أن الصيام ليس عن الأكل والشرب وسائر المفطرات فقط بل يتعداه عن الصوم عن كل ما حرّم الله .
د.أحمد بن صالح الطويان |