| أتى رمضان
مضت الأيام وطويت صفحات من الأعمال وأقبلت الوافد الكريم والشهر العظيم والضيف العزيز بلياليه الغر وتباشيره .
أقبل ليحل مساحة المسلمين يحمل الرحمات والبركات والغفران والرضوان .
أتى رمضان ليغسل القلوب ويطهر النفوس ويروي الأكباد العطشى والنفوس الحرى .
أتى رمضان موسماً لتكفير الذنوب والسيئات وترفع به الدرجات وتقال فيه العثرات .
أتى رمضان ليبني النفوس ويصلح ما تهدم من مكارم الأخلاق والفضائل .
أتى رمضان ليجد فيه المسلم ظل ظليلاً من وهج البعد والشقاء
أتى رمضان لتفتح أبواب الجنان وتفتح أبواب السماء وتفتح أبواب الرحمة وتغلق أبواب النيران.
أتى رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويستجيب الدعاء .
أتى رمضان ولكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة .
أتى رمضان وفيه ليلة من رحم فيها فهو المرحوم .
أتى رمضان من صامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .
أتى رمضان من قامه إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .
أتى رمضان والصيام عند الله من ريح المسك .
أتى رمضان وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه .
أتى رمضان والصوم لله تعالى يجزي به عباده خير الجزاء ( والصوم لي وأنا الذي أجزي به ) .
أيها الأخوة
ما هي مراسم الاستقبال وما هي الاستعدادات لمثل هذا الوافد الكريم .
لا تقل لي لقد امتلأت البيوت بأصناف الأطعمة والأشربة وتسابق التجار لعرض ما يؤكل في رمضان .
ولا تقل لي ماذا أعدت قنوات الشر ووسائل الإفساد من برامج هابطة ومناظر مخزية وفضائح ملهية ومسابقات ومنافسات هي القمار والميسر .
فتلك طريقة قد اعتدنا عليها كل عام بل في كل عام يزيد الشر ويستطير ويزداد الناس غفلة وإعراضا .
ولكني أسألكم .
أين المنافسة في مضمار رمضان فلئن تنافس الغافلون بمسابقات دنيوية ، أين من يتاجر في التجارة الرابحة .
أين غذاء الأرواح والقلوب أين التهيؤ لموسم الغذاء والدواء ، دواء لجراحنا ولقلوبنا ولأسقامنا .
إننا نعيش في هذه الحياة نكدح ونكابد ونفوسنا وأرواحنا لم تجد لذة الإيمان وبرد اليقين وأنس الطاعة لم نتح مجالاً لقلوبنا أن تتعظ أو تنزجز لم تأنس النفوس بالقرآن والذكر والاستغفار .
شقيت والله خلف سراب المادة وظمئت خلف بريق الأسهم والمساهمات .
ما هي أحادينا واهتماماتنا وتطلعاتنا وآمالنا إنها الله مضحكة مخزية إلا القليل .
فيا من يريد زيادة أرصدته وارتفاع أسهمه ها هي أيام رمضان ولياليه قد أقبلت فهي مواسم المرابحة والتجارة الفاضلة .. ماذا أنت فاعل .
أين نصيب قلبك من اهتمامك ..
أين نصيب عملك من اهتمامك ..
أين نصيب الفقراء من مالك ..
أين نصيب تفطير الصائمين ..
أين نصيب القرآن من وقتك ..
أين نصيب القيام من ليلك ..
فها هو الشيطان يخرجك من المسجد لتضارب وتراقب فلا يغلبنك الشيطان .
صل مع القائمين واخشع مع الخاشعين وابك مع النادمين وتب مع التائبين وتصدق مع المتصدقين واذكر الله مع الذاكرين وأمن مع الداعين وتعرض رحمة أرحم الراحمين .
أيها الأخوة
يعيش القلب في وهج المادة وحرارة الغفلة والإعراض حياة لا يجد فيها طمأنينة تحرقه حرارة الذنوب ويسير في أرض قاحلة جدباء لا ماء ولا زرع ولا ظل ولا هدى ولا اهتداء وفي كل يوم يزداد شقاؤه وتتفطر أجزاؤه .
فهل يجد القلب في رمضان الحياة الآمنة والممتعة الروحية ، يجد فيه ما يطفئ ذلك الشقاء والعناء.
يجد في رمضان ظل الطاعة وأنس العبادة ، وسعادة التوبة ولذة المناجاة وصدق الراحة .
يجد في رمضان واحة الإيمان ومناظر المؤمنين يتسابقون في طاعة مولاهم .
أيها الأخوة
لقد مرَّ علينا رمضانات عديدة ونحن في غفلة وإعراض وودعناها بما عملنا فيها فهل رمضان القادم سيتكرر الأعراض ونزداد في الغفلة والخسران .. علينا أن ندرك حقائق ثابتة
أين من صام رمضان العام الماضي أين هو هذا العام ؟! تحت أجداث الثرى مرتهن بعمله .
وأنت قد أنعم اله عليك بإدراك هذه الأيام وقد لا تدركها وتدرك نية صالحة للعمل فيها .
أين من كان ينافس ويسابق الخطى بالأعمال هو لا يستطيع اليوم حراكاً ميت بين الأحياء يرقد على سرير المرض قيده المرض عن العمل وأنت قد أطلقت بالعافية والصحة فهل نرفع لواء التغيير في حياتنا الرمضانية هل سيكون رمضان لا كرمضانات السابقة .
هذا المؤمل في كل مسلم له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أما غيره فما لجرح بميت إيلام .
ويبقى المسلم بين المحاسبة على ما مضى والمجاهدة فيما يستقبله من الأيام ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ومن صدق مع الله صدقه الله ووفقه وأعانه وسدده ويسر أمره والعبد يستلهم الهداية والتوفيق من ربه ويسأله الإعانة والتوفيق وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني ) .
فلنتقدم بين يدي هذا الشهر توبة صادقة ناصحة ونية صالحة وعزيمة ثابتة وأيد سخية باذلة .
أيها الأخوة
وينادي مناد يا باغ الخير أقبل ..
فيا من تريد الخير والنجاة والجنة يا من تريد الغفران والرضوان والعتق من النيران أقبل ولا تخف .. أقبل بقلبك وقالبك .. أقبل بهمتك وجهدك .. أقبل ببدنك وعطائك .. أقبل بتفكيرك ووجدانك .. أقبل وأسرع وسابق ونافس ولا يفوتك موسم الخير .. أقبل يا من تريد السعادة في الدنيا والآخرة .
ويا باغ الشر أقصر ..
يا من قاده هواه وشهوته ونفسه الأمارة بنفسه وشيطانه أقصر عن الشر ، ابتعد عنه ، انجوا بنفسك .. أقصر عن عمل السيئات وارتكاب المحرمات .. أقصر عن الإعراض والغفلات .
فما هذه الليالي والأيام أيام ذنب ومعصية وشر وفتنة إنما هي أيام خير وبركة وطاعة ورحمة .. أقصر فقد فتحت لك أبواب الجنان والرحمة وغلقت عنك أبواب النيران وصفدت الشياطين فصفد نفسك عن الشر وأقبل بها على الخير .
فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله .. الشقي من حرم في رمضان رحمة الله .
من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله فأدخله النار .. قل آمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم آمين .
فالداعي جبريل والمؤمن على الدعاء سيد المرسلين .
فهل المسلم يريد تلك النهاية المؤلمة وتلك الدعوات الصادقة أم ماذا يريد .
كما قال الصادق المصدوق ( ينظر إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيراً ) .
د.أحمد بن صالح الطويان |