| وداع الشهر
ها هو شهر رمضان قد قرب رحيله وأزق تحويله ها هو لياليه تنقص وأيامه تقصر ، قد قوضت خيامه هل الشهر الكريم يستعد للرحيل يمضي بما استودع من الأعمال فهل ترى يرحل حامداً صنيعكم أو ذاماً تفريطكم وتضييعكم .
في كل ليلة تدنوا ساعة الفراق والانقطاع وتشتغل أحشاء المحبين من ألم الفراق ، تخفق القلوب وتضطرب الأبدان وتقشعر الأجساد لمفارقة الحبيب الغالي .
فها هي زفرات المحبين الصائمين قد تحشرجت في صدورهم ، وها هي دموعهم على محاجرهم تسيل على قرب الرحيل .
دمعة الفراق على الوجنتين أنين القائمين في الأسحار له خنين يبادرون ما بقي من الليالي الباقية ويتنافسون في الدقائق الغالية .
أيها الأحبة الصائمون
ها هو رمضان يلفظ أنفاسه الأخيرة ويتوارى عن قريب عنا فما هي مراسم الوداع والختام لشهر الصيام .. بقي ليالي فاضلة وأيام قليلة خاتمة هي أيام الختام ليالي ترجى فيها ليالي القدر ، ليالي ترجى فيها العتق والغفران .
لقد شرع المولى لعباده في ختام شهرهم التكبير ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) شكر لمن أنعم بالصيام والقيام وشهر رمضان شكر على هداية الله لعباده في هذا الشهر المبارك .
التكبير ليلة العيد إلى الصلاة ، وصلاة العيد تلك الصلاة المشهودة المفروضة فيها الدعوة المقبولة والمغفرة والرضوان .
وفيها توزع الجوائز على المقبولين وزكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وتمام للصيام وكمال له وإتمام ورقع لخلله وقيام بفرضه .
صاع من الطعام على الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين .
شعيرة وعبادة ونسك وتوبة ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) .
عيد المحبين وعيد الغافلين .
عيد المحبين عيد لوعة على فراق الشهر ودمعة .
عيد المحبين صلاة وتكبير وتسبيح وتهليل وصلة وبر وإحسان وفرح بطاعة الله .
عيد المحبين وجل وخوف من رد الأعمال وأمل ودوام للأعمال .
وعيد الغافلين سمر وطرب وبذخ وسرف وتبرج وسفور وكبر وغرور .
عيد الغافلين فن ومجون وصور وفنون وغناء وفسوق .
عيد الغافلين مجاهرة بالمعاصي ونسيان للواجبات والفرائض وتناسي .
كم فرح بالعيد مسرور وهو مطرود ومهجور .
كيف تسر بالعيد عين مطرود عن الصلاح ؟
كيف يضحك سن مردود عن الفلاح ؟
كيف يسر من يصر على الأفعال القباح ؟
كيف لا يبكي من قد فاته جزيل الأرباح ؟
كيف يسر بعيده من تاب ثم عاد ؟
كيف يفرح من آثامه في ازدياد ؟
فالناس في فرح والقلب في ترح شتان بيني وبين الناس في العيد
شتان بين دمعة الصائمين وفرحة الغافلين المعرضين .
كيف تأنس نفس بالمعصية ، كيف تقابل النعمة بالكفران ، ومبارزة الله بالعصيان .
ليس جمال العيد بحسن الملابس ومنكرات المجالس إنما العيد جمال القلب ورضا الرب .
كيف تتطلع نفوس في رمضان للنكوص والعصيان كيف تتلهف نفوس إلى ما بعد رمضان ؟
وقلوب المؤمنين في ألم واحتراق من ساعة الفراق أفي هذه القلوب حياة هل فيها زكاة هل فيها حياء هل فيها قلوب تستبطئ ليالي الشهر الباقية لتعانق المحرمات وتتسابق في اقتراف الذنوب والسيئات حقاً وما لجرح بميت إيلام .
لقد خسرت نفوس تلك أمنياتها وخابت نفوس تلك فعالها .
أيها الأحبة
ستفارقون بعد ليالي شهراً عظيماً ومتفضلاً كريماً فاليت ندري من المقبول فنهنيه بحسن عمله ومن المطرود منا فنعزيه بسوء عمله .
فيا أيها المقبول هنيئاً لك بثواب الله ورضوانه ورحمته وغفرانه وقبوله وإحسانه وعفوه وامتنانه وخلوده في جناته .
ويا أيها المطرود يا حراره وطغيانه وظلمه وعدوانه وغفلته وإعراضه وتماديه وعصيانه .. لقد عظمت مصيبتك .. فأين مقلتك الباكية وأين دمعتك الجارية .
فسلام عليك يا شهر رمضان سلام عليك يا شهر الصيام والقيام .
السلام عليك يا شهر القران .
السلام عليك يا شهر التجاوز والغفران .
السلام عليك يا شهر البركة والإحسان .
السلام عليك يا شهر التحف والرضوان .
السلام عليك يا شهر الأمان .
السلام عليك يا شهر النسك والتعبد .
السلام عليك يا شهر القيام والتهجد .
كنت للعاصين حباً وللمتقين أنساً تنبه يا مسكين لم حل بك واستيقظ من رقدتك وغفلتك وشيع بقية شهرك بالتوبة والإنابة والاستغفار والطاعة وودع شهرك بإسبال العبرات فيا شهرنا غير مودع ودعناك وغير مقلي فارقناك .
كان نهارك صدقة وصياما وليلك قراءة وقياما ، فعليك منا تحية وسلاماً .
أتراك تعود بعدها علينا ، أم يدركنا المنون فلا تؤول إلينا .
شهر رمضان ترفق دموع المحبين ترفق قلوبهم من أليم الفراق تشفق .
عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق .
عسى ساعة توبة وإقلاع ترفوا من الصيام كل ما تخرق .
عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق .
عسى أسير الأوزار يطلق .
عسى من استوجب النار يعتق .
عسى وعسى من قبل وقت التفرق إلى كل ما نرجو من الخير نلتقي
فيجبر مكسور ويقبل تائب ويعتق خطاء ويسعد من شقي
د.أحمد بن صالح الطويان |