| مكانة المعلم
لقد كانت العلاقة بين المعلم والمتعلم قائمة على الحب والوفاء والتكريم والتوقير فالمعلم والد يؤدب بالحسن ويهذب بالحكمة وقسوا حينما تجب القسوة ولكنها قسوة من يريد الخير لابنه وتلميذه والمتعلم ابن مطيع بار يرى في إجلاله لأستاذه من مظاهر ألأدب وحسن الخلق .
وكان التلميذ يعتبر نفسه عجينة بين يديّ أستاذه المحب له الحريص عليه وكان الطالب يحافظ على وفائه لأستاذه حتى بعد تخرجه أو انقطاعه عن حلقة التعلم أو بلوغه مرتبة في المجتمع فهو يظل يذكر مدرسة .
أيها الأخوة
بالخير وهو يحتفل لقدومه ولقائه ويحل محضره ومجلسه ولاينس سابق فضله وهو يتأدب معه ويستحي منه ويزوره ويتودد إليه.
اليوم نعيش في وقت يربي أولادنا غيرنا ويتعلمون مايضرهم ولاينفعهم قنوات تحرضهم على الفساد والعنف وشبكات تدربهم على الضياع والسخف .
وصار مصدر التعلم والتربية البيت والمدرسة لاقيمة لهما .
عند بعض شبابنا فالبيت للأكل والنوم والمدرسة لقضاء الوقت ونيل الشهادة عند بعضهم .
ذهب توقير المعلم واحترامه وإجلاله وتقديره ، ولذلك أسباب معروفة من أولها عدم غرس الآباء والأمهات في قلوب أولادهم احترام المعلم وتقديره وتوقيره أو غفلتهم عن ذلك حتى نشأ لنا جيل من السهل أن يعتدي على المعلم بضرب ولكم وإراقة دماء فضلاً عن كلام بذيء وأسلوب جارح .
وهذا مانقرأه في صفحات الجرائد في كل يوم .
إن جيل مثل هذا الجيل كيف سيرتقي في مجال العلم والمعرفة والأدب والتربية والخلق .
ولعلي أذكر نفسي بنماذج من سلفنا الصالح في توقيرهم للمعلم واحترامهم له .
وقبل البدء بذلك أحب أن أذكر أن في مدارسنا نماذج رائعة من الطلاب أدب وخلق واحترام ولكننا نخشى أن ينفرط العقد .
روى الشعبي رحمه الله قال : صلى زيد بن ثابت على جنازة ثم قربت له بغلة ليركبها فجاء ابن عباس فأخذه بركابه فقال له زيد خلّ عنه يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال بن عباس هكذا يفعل بالعلماء والكبراء .
وقيل للشافعي رحمه الله في تواضعه عن طلبه للعلم فقال : أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لاتهينها .
وقال الشافعي رحمه الله كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك رحمه الله صفحا رفيقا هيبه له لئلا يسمع وقعها .
وقال الربيع ( والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له .
وقال بعض السلف ( لاينال العلم ولاينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره) .
فإن من علمك حرفا واحدا مما تحتاج إليه في الدين فهو أبوك في الدين .
إن المعلم والطبيب لكليهما لاينضمان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه واقنع بجهلك إن جفوت المعلما
وحكى أن الخليفة هارون الرشيد بعث ابنه إلى الأصمعي
ليعلمه العلم والأدب فرآه يوما يتوضأ ويغسل رجليه وابن الخليفة يصب الماء فعاتب الأصمعي في ذلك فقال إنما بعثته إليك لتعلمه العلم وتؤدبه فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه ويغسل بالأخرى رجلك .
قال علي رصي الله عنه من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية وأن تجلس أمامه ولاتشير عنده بيدك ولاتعمدن بعينيك غيره ولاتسار في مجلسه ولاتشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء .
وكان بعضهم إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال اللهم استر عيب معلمي عني ولاتذهب بركة علمه عني .
فالطالب ينظر إلى معلمه بعين الإجلال والاحترام والتقدير فينقاد له في أموره ولايخرج عن رأيه وتدبيره بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الحاذق فيشاوره فيما يقصده ويتحرى رضاه فيما يعتمده ويتقرب إلى الله تعالى بخدمته ويعلم أن ذله لمعلمه عز وأن خضوعه فخر وتواضعه له رفعة .
فيعرف للمعلم حقه ولاينس فضله وإن يعظم حرمته ويرد غيبته ويغض لها .
وإن يدعو له مدة حياته فقد كان الإمام أحمد رحمه الله يكثر الدعاء للشافعي رحمه الله في صلاته.
وليصبر على جفاء معلمه وليحذر من ـــ أستاذه وليحسن مخاطبة أستاذه بقدر الإمكان وليختر من الألفاظ أحسنها في محادثة أستاذه مع لين في القول وهدوء في الكلام فلا يرفع صوته عليه .
أيها الأخوة
تلك وصايا ومواقف عظيمة تأدب لها صدر هذه الأمة ـــ العلم والأدب والخلق وحصلت لهم المكانة وتبوءا أعلى المراتب .
ولكن نحن اليوم نعيش حياة الترف والحضارة وتقدم العلم النظري والدنيوي وتوفر وسائل العلم وتحصيله .
إلا أن مكانة المعلم لاتزال في المؤخرة . عن طلابه . فمن المسئول عن ذلك . لقد توفرت اليوم أسباب العلم لكن لم تتوفر أدآب المتعلم بدأنا نسمع عن الاعتداءات والتجريح والتشهير بأخطاء المعلمين فنحن نقول أن المعلم غير معصوم لكن كل يخطئ ويصيب فلماذا يشهر بأخطاء المعلمين وينتقصون على ملأ من الناس ومسمع وكأنهم من مجرمي الحروب .
إن الواقع يحتاج إلى تصحيح .
نظرة المجتمع إلى المعلم وإعطائه حقه من التقدير والاحترام وتربية الأجيال على ذلك .
وإيقاف من يشهر بأخطاء صغيرة .
وأن نسعى لإعداد المعلم والاهتمام بقضاياه .
وحين يأتي أولادنا إلى مدارسهم وهم لايحملون احتراماً ولاتقديراً لمن يتلقون عنهم العلم فلن يحصلوا علماً ولا أدباً ولاخلقاً .
إن بعض الناس اليوم يظن أن العلم يأتي بالمال فلم يكن المال يوما طريقاً إلى العلم دون الأدب والخلق ومكارم الأخلاق .. وإنما هو طريق الشهادة .. والشهادة طريق إلى المال .
أيها الأخوة
لما تلاشت القيم والأخلاق الإسلامية بسبب حب المادة والدنيا وحطامها .
قلّ احترام المعلم بل جميع الناس ، فإن من الناس من لايحترمك إلا لكثرة مالك ، أو لجاهك وسلطانك ومكانتك ، لانفضلك وطاعتك وخلتك ودينك .
أيها الأخوة
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في تعاملنا مع الآخرين وبالأخص في تعاملنا مع المعلمين مع المربين الناصحين ممن يضيئون لأولادنا طريق العلم والمعرفة والتربية ممن يخرجون الأجيال النافعة.
وإن على المسئولين عن التعليم في بلادنا مسئولية كبرى في إظهار قيمة المعلم في المجتمع وكذلك وسائل الإعلام .
بإظهار مكانة المعلم واحترامه .
وإن تعجب فعجب قولهم في مجالس عامة الناس اليوم حين يتكلمون عن المعلم عن راتبه وكثرته وعن إجازته وطولها .. ولو حشر هؤلاء يوما واحدا في مدرسة من ا لمدارس لضاق ذرعاً ولابتغى طريقا للخروج مما هو فيه ، مع واقع الطلاب اليوم وسوء احترامهم .
إذا نحن الأساس في تجرئة أولادنا على معلميهم وانتقاصهم وتصويرهم أنهم ماديون نفعيون .
أيها الأخوة
إن من احترام الشريعة والنبي صلى الله عليه وسلم احترام المعلم فهو المعلم لأمته عليه الصلاة والسلام .
وإنه في مجيء جبريل عليه السلام وإسناد ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يديه على فخذيه لأدب للأمة في أدب المتعلم مع العالم .
فهل نعي ذلك وندرك خطورة الواقع المأساوي الذي تعايشه مدارسنا اليوم .
من ضعف هيبة المعلم وقلة احترامه وتقديره من فئة من الطلاب.
د.أحمد بن صالح الطويان |