| سلامة الصدر
الحمد لله رب العالمين يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أنقى البشرية قلباً وأسلمهم صدراً نبينا محمد وعلى آله وصحبة أبر الأمة قلوب وأعمقهم إيماناً . ليس أروح للمرء ولا أطرد لهمومه ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب مبرأً من وساوس الضغينة وثوران الأحقاد إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها وأحس فضل الله فيها وفقر عباده إليها وذكر قول : الرسول صلى الله عليه وسلم ( اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد والشكر ) .
وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى .
والقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها ، أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليله ، فأهل القلوب السليمة هم أفضل الناس وأكرمهم .
فعن عبدا لله بن عمرو قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال ( كل مخموم القلب صدوق اللسان قيل صدوق اللسان معروف فما مخموم القلب قال هو التقي النقي لا أثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد وقد وصف الله الأنصار بذلك ) .
( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا أنك رءوف رحيم ) . إن سلامة الصدر وصلاح ذات البين أمر من لوازم التقوى ولهذا قرن الله عز وجل بينهما في قوله ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ).
وسلامة الصدر نعمة من النعم التي توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها قال تعالى ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ).
وعن أنس بن مالك قال ( كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال فلما كان الغد قال : النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع الرجل مثل المرة الأولى , فلما كان في اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثال حاله الأولى فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : أني لا حيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال : نعم , قال : أنس , وكان عبدا لله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعّار وتقلب على فراشة ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر , قال : عبدالله غير أنى لم أسمعه يقول إلا خيراً فلما مضت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله , قلت : ياعبدالله إني لم يكن بيني أبي غضب و لا هجر ثمَّ ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرارا فأردت أن آوى إليك لأنظر عملك فأقتدي بك فلم أرك تعمل كثير عمل فما بلغك ما قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هو إلا ما رأيت قال فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لا أحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه فقال عبدالله هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ) رواه أحمد .
قال : شيخ الإسلام فقول عبدالله بن عمرو هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق يشير إلى خلوه وسلامته من جميع أنواع الحسد .
والحقد صفه دنيئه وأهل المروءات يتنزهون عنها
لا يحمل الحقد من تعلو به الرواتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب
وقد حذر الإسلام من رذائل عدة مصدرها هو الحقد .
و سلامة الصدر تفرض على المؤمن أن يتمنى الخير للناس إن عجز من سوقه إليهم بيده أما من لا يجد بالناس شرا فيرميهم به ويزوره عليهم تزويرا فهو أفاك أثيم ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
إن من فضل الله على العباد أنه استحب ستر عيوب الخلق ولو صدق اتصافهم بها، وما يجوز لمسلم أن يفضح العيوب فصاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد ويشتهي لهم العافية أما التلهي بسرد الفضائح وكشف الستور وإبداء العورات فليس ملك المسلم الحق ولذلك حرم الإسلام الغيبة إذ هي متنفس حقد مكظوم وصدر فقير إلى الرحمة والصفاء.
ومن آداب الإسلام التي شرعها لحفظ الموراث واتقاء الفرقة تحريم النميمة لأنها ذريعة إلى تكدير الصفو وتغيير القلوب، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوؤه حين قال عليه الصلاة والسلام ( لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا ، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ) رواه أبو داود .
فا الافتراء على الأبرياء جريمة يدفع إليها الكره الشديد ولما كان أثرها شديداً في تشويه الحقائق وجرح المستورين عدها الإسلام من أقبح الزور ولا شك أن تلمس العيوب للناس وإلصاقها بهم عن تعمد يدل على خبث ودناءة .
وسلامة الصدر فضيلة تجعل المسلم لا يربط حظه من الحياة ومشاعره مع الناس ذلك انه ربما فشل حيث نجح غيره وربما تخلف حيث سبق آخرون ، والمسلم يجب عليه أن يكون أوسع فكره و أكرم عاطفة فينظر إلى الأمور من خلال المصالح العامة لا من خلال شهواته الخاصة وجمهور الحاقدين تعلى مراجل الحقد في أنفسهم لأنهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما يتمنونه لأنفسهم قد فاتهم وامتلأت به أكف أخرى .
أيها الإخوة :
عدم سلامة الصدر أسباباً كثيرة منها :
1- ضعف الصلة بالله بحيث تسيطر الأهواء على القلب فتكون مدعاة لامتلأ القلب غيضاً وحقداً وضغينة على الآخرين .
2- عدم ضبط النفس وكثرة الانفعالات .
3- قلة الذكر والدعاء وجفاف اللسان والقلب منه من أسباب دخول الشيطان بحيث يجعل القلب مرتعاً للخواطر الرديئة .
4- عدم التجاوز عن الهفوات والزلات وجهل أو تجاهل الأجر والثواب المترتب على العفو والصفح .
5- ضعف العلاقة بين المسلمين فهي ليست على الحب في الله والبغض في الله .
6- الحساسية المفرطة في تغير الأمور وحملها على غير محملها .
7- عدم مراقبة الله في المقاصد والنيات والأقوال والأفعال .
8- البيئة التي يعيش فيها والتي تكون مائدتها الغبية والنميمة .
9-عدم القناعة واستشراف النفي لما عند الآخرين .
10- حب الشهرة والظهور .
11- السرعة وعدم التروي والتثبت في إصدار الإحكام على الآخرين.
12- إساءة الظن بالآخرين فتجد بعضهم يبرز جانب إساءة الظن قبل الإحسان فمن كان كذلك فتح على نفسه باباً عظيماً وخطيراً حتى يكون من الصعب أن يسلم قلبه وينقيه مما يعتريه .
13- الغفلة عن السير العطرة والنماذج الطيبة والتي ضربت أروع الأمثلة في سلامة صدورها .
14- كثرة النجوى في أثناء المجالس .
15- تمكن حب الدنيا وسيطرتها على قلب بعض المسلمين حتى أصبح التنافس فيها وعليها .
16- إتاحة الفرصة للتنفس بالانشغال بالتفكير الذي يعود على النفس بالضرر وعدم سلامة الصدر .
17-إتباع الهوى فهو سبب كل بلية .
أيها الإخوة :
إذا علمنا أسباب عدم سلامة الصدر فما أحوجنا للعلاج . وذلك بصدق اللجوء إلى الله والاستعانة بالله في جميع الأحوال على طرد الخواطر والهواجس الشيطانية ولنعرف خطورة هذه الأمر ليكون سبباً في النفور عنه والبعد عن أسبابه وضبط النفس في كل ميدان ولاسيما في ميدان الحوار والنقاش و ترك الجدل والمراء وتجنب الألفاظ الرديئة والغليظة , وسلامة الصدر والإخلاص بذلك لله وحده لا شريك له والتجاوز عن الهفوات والزلات والعفو والصفح والدعاء لمن خالفك بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة بالخير والثبات والبعد عن النجوى و إفشاء السلام بين المسلمين والإيثار وتجنب الاثره والزهد في الدنيا ومما في أيدي الناس ( ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ) .
والبعد عن إساءة الظن وحمل الأمور على أحسن المحامل ( يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن أن بعض الظن أثم ) قال عمر ( ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك إلا خيراً وأنت تجد لها في الخير محملاً ) .
وانشغال النفس بالذكر والدعاء والتسبيح والاستغفار ومجاهدة النفس ومحاسبتها على كل خاطرة والتزود بسلاح العلم تنمية جانب الحب في الله والبغض في الله ومساعده الآخرين واختيار البيئة الصالحة .
أيها الإخوة :
لنعلم جميعاً أن لعدم سلامة الصدر أضراراً على الفرد والمجتمع فالفرقة بين المسلمين وتشتت قلوبهم وتفرقهم سببه عدم سلامة صدورهم وقلوبهم وتمكن الحسد والغل من قلوبهم نتيجة لذلك وقتل النفس والمشاعر وإحراق الفؤاد من جراء ما يحمل الصدر على الآخرين وتفويت الأجر والبعد عن المنهج الصحيح .
ومن أعظم الجود والكرم بالعرض فقدر ورد أن أبا ضمضم رضي الله عنه كان إذا أصبح قال ( اللهم لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من يستطيع أن يكون كأبي ضمضم ) .
قال ابن القيم ( وهذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ) .
د.أحمد بن صالح الطويان |