| النبي عليه الصلاة والسلام وهموم الشباب
الشباب هم قلب الأمة النابض وشريانها المتدفق وهم زينة البلاد وعماد الأمم بهم تفاخر الأمم وعليهم تعقد الآمال ، فبهم تسعد البلاد وهم أمل الغد المنشود وهم عدة اليوم، بهم تحمى الثغور ويرد العدو اللدود .
وشباب كل أمة هم درعها الواقي وحصنها الحصين .
هؤلاء الشباب هم قرة عين البلاد ، إذا صلحت نفوسهم وآمنت قلوبهم وحفظت عقولهم وأصنت حقوقهم .
أيها الأخوة
إن الإسلام لما جاء لصلاح البشرية راعى فطر الخلق وأعطت النفوس حقوقها لتكون سببا في حبها للخير والاستقامة .
ولم يكن الدين بعيدا عن تحقيق مطالب الحياة الدنيا ولم تكن الشريعة معزولة عن هموم الناس وشئونهم .
ولقد راعت هذه الشريعة كل ماتحتاجه البشرية في كل شيء من نواحي الحياة .
ومن ذلك الاهتمام اهتمام الإسلام بالشباب وغرس الإيمان في قلوبهم ومراعاة حاجاتهم ورغباتهم ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في معزل عن حياة الشباب فلقد راعى المصطفى صلى الله عليه وسلم شئونهم العقلية والنفسية وفِطَرِهم ومشاعرهم للأمة جيلا محباً للإسلام جاملا همّ الإسلام ولواءه .
وترك لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم منهجا فريدا في التعامل مع الشباب ، لتسير الأمة عليه في استصلاح شبابها صغارا وكبارا ذكورا وإناثا .
ولو أخذت الأمة اليوم ( وهي تعصف بها الفتن في كل مكان ) بمنهجه القويم وسلوكه المستقيم لحسن حالها ولاستقام أمرها.
وقام كل راع بمسئوليته تجاه شباب الإسلام ، كلٌ بما يستطيعه لتغيرت أحوالهم واستغلّت طاقاتهم فيما يعود على الأمة نفعه وخيره .
لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بحماية الشباب من الانزلاق في الانحراف الفكري ، وحدد للأمة منهج التلقي الصحيح وجعل المصدر في ذلك كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام .
فها هو عليه الصلاة والسلام يحاور عدي بن حاتم لما سمع قول الله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... ) قال حاتم لسنا نعبدهم يارسول الله قال عليه الصلاة والسلام أليس إذا أحلوا الحرام أحللتموه وإذا حرموا الحلال حرمتموه فتلك عبادتهم .
أيها الأخوة
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بدعوته أن يأمر المسلمين بشرائع الإسلام ويوصيهم بها بل شاركهم أفراحهم وأحزانهم وعاش مع همومهم وغمومهم ... وصدق الله إذ يقول فيه ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) .
لقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الجد والعمل وحذرهم من العجز والكسل والمسألة .
فها هو صلوات ربي وسلامه عليه يوجه السائل لما جاء يسأله مالاً فقال له لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلا يعطيه أو يمنعه ) خ .
إنه تدريب على العمل وتوجيه نبوي لحفظ كرامة المسلم من السؤال وإذلال النفس تحت وطأة حطام الدنيا الزائل إنه يحمل في طياته السمو بالنفس إلى العزة والإباء وعدم الركون إلى الدّعة والخمول .
وهذا عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب والفضل ابن العباس شابين قد أقبلا سن الزواج ولم يجدا شيئاً ، قال عبدالمطلب فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال أخرجا ما تصرران ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا فقال يارسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه وجعلت زينب تُلْمع علينا من وراء الحجاب أن لاتكلماه ثم قال إن الصدقة لاتنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس أدعو إلي مُحَيمْية ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب قال فجاءاه فقال لمحيمية أَنْكِحْ هذا الغلام ابنتك للفضل ابن العباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث أنكح هذا الغلام ابنتك لي فأنكحني وقال لمحيمية ، أصدق عنهما من الخمس ) م .
ومن هنا يأتي دور الأسرة في حفظ شبابها ومراعاة شئونهم وأحوالهم وتصرفاتهم وتولي استقرارهم النفسي والعائلي .
فلماذا الأسر المسلمة لاتهتم بشبابها وتحفظهم وتراعي أحوالهم ليتمكنوا من أداء واجبهم الديني تجاه أمتهم وأسرهم وأنفسهم .
وهذه ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم اعتقت وليدة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ) م ، خ .
فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج فقال يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج فإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) كل حفظ للشباب من مزالق الانحراف والسلوك الشاذ وتحصيناً لهم من فتن الشهوات .
وصورة أخرى لصور الاهتمام النبوي بالشعور النفسي بالشباب يدخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فيجد شابا من أصحابه قد جلس في المسجد فيقول له يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة قال هموم لزمتني وديون يارسول الله قال أفلا أعلمك كلاما إذا قلته اذهب الله همك وقضى عنك دينك قال بلى يارسول الله قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال . ففعل فأذهب الله عنه همه وقضى دينه ) د .
وصورة أخرى جابر بن عبدالله شابا في مقتبل عمره استشهد أبوه يوم أحد وخلف دينا وبناتا وقد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات وهو يحمل همّ أبيه وهم أخواته .. ولم يجد مايركبه إلا ناضحا لهم لايجد غيره . فلنترك لجابر يقص لنا قصته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال جابر غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاحق بي وتحتي ناضح لي قد أعيا ولايكاد يسير فقال لي مالبعيرك قلت عليل فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره ودعا له فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير فقال كيف ترى بعيرك قلت بخير قد أصابته بركتك قال أفتبيعنيه فاستحييت ولم يكن لنا ناضح غيره فقلت نعم فبعته إياه بأوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي .
فقلت يارسول الله إني عروس فاستأذنته فأذن لي فتقدمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت فلقيني خالي فسألني عن البعير فأخبرته بما صنعت فيه فلامني فيه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين استأذنته قال لي ما تزوجت أبكرا أم ثيبا فقلت تزوجت ثيبا قال أفلا تزوجت بكرا تلاعبك وتلاعبها فقلت يارسول الله استشهد والدي ولي أخوات صغار فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن فلا تؤدبهن ولاتقوم عليهن فتزوجت ثيباً لتقوم عليهن وتؤدبهن فلما قدم المدينة غدوت إليه بالبعير فقال لبلال أعطيه أوقية وزده فأعطاني أوقية وزادني قيراطاً ثم قال لي ياجابر أتوفيت الثمن قلت نعم قال لك الثمن ولك الجمل لك الثمن ولك الجمل ) م خ .
صورة من صور الرحمة والشفقة
وصورة أخرى يقول جابر قتل أبي يوم أحد شهيدا وعليه دين منها ثلاثون وسقا لرجل من اليهود واشتد الغرماء فاستنظر جابر اليهودي فأبى وكلم جابر رسول الله ليشفع له إليه فجاءه رسول الله وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى .
وكلم صلى الله عليه وسلم الغرماء بأن يقبلوا تمر الحائط ويحللوا أبي فأبوا .
فقال صلى الله عليه وسلم سنغدوا عليك فدخل الحائط فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة ثم قال لي ياجابر جُد فأوف قال جابر فجددتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها ) خ .
ديننا اهتم بشئون الشباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية .. وفتح لهم آمالا .
ذكر الذهبي في السير عن عبدالرحمن بن كعب قال : كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لايسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله كله فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلم له غرماءه ففعل فلم يصغوا له شيئا فلو ترك أحد لكلام أحد لتُرك لمعاذ لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبرح حتى باع ماله وقسمته بينهم فقام معاذ ولامال له ثم بعثه إلى اليمن ليجربه فكان أول من تجر في هذا المال.
وهذا جليبيب صحابي جليل شاب أقبل على سن الزواج ولم يجد من يزوجه لقلة ذات يده فخطب له رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من الأنصار إلى أبيها فقال أستأمر أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم فنعم إذا فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها فقالت لا ها والله إذن ماوجد رسول الله إلا جليبيبا وقد منعناها من فلان وفلان فقالت الجارية أتريدون أن تردوا على رسول الله أمره إن كان قد رضيه لكم فانكحوه فذهب أبوها إلى رسول الله فقال إن كنت رضيته فقد رضيناه قال صلى الله عليه وسلم فإني قد رضيته فزوجها فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال اللهم صب عليها صبا ولاتجعل عيشها كدا ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب فوجدوه قد قتل وحوله سبعة قتلهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتل سبعة وقتلوه هذا مني وأنا منه ثم وضعه رسول الله على ساعده وحفر له ليس له سريرا إلا ساعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم وضعه في قبره .. فما كان من الأنصار أيم أنفق منها ... ) أي أكثر نفقة ومالا منها ) أحمد والحاكم .
وهذا مالك بن الحويرث قال أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببه متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوما وليلة وكان صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فلما رأى شوقنا إلى أهالينا ، وظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه قال ارجعوا إلى أهليكم وأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم ... ) خ .
مراعاة للمشاعر والنفسيات وتقديرا للجهود والتضحيات .
وهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه شاب في ريعان الشباب يؤمره النبي صلى الله عليه وسلم على جيش فيه أبو بكر وعمر وكبار الصحابة عرفا بأهمية دور الشباب في قيادة الأمة .
أيها الأخوة
تلك لمحات من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب ومراعاة أحوالهم ومشاعرهم والاهتمام بشئونهم فحفظ الشباب وتربيتهم يحتاج إلى منظومة متكاملة من الرعاية الشاملة لنواحي الحياة ومتطلبات العيش .
فلا بد من بناء الاستقرار في نفوس الشباب والمحافظة على نفسياتهم وأنفُسِهم والعيش مع شعورهم ومع آمالهم ومتطلباتهم المعيشية فيما لايخالف نصا من كتاب الله ولاسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إنا ونحن مقبلون على إجازة صيفية يتفرغ فيها الشباب ، لابد أن نُعني بجوانب التربية الصحيحة ونحن نعيش عصر المتغيرات ، والفتن تعصف بالشباب من كل جهة فتن الشهوات وفتن الشبهات لابد من إيجاد منهج متكامل في التربية وهذه التربية ليست قائمة فقط على الوعظ والتعليم أو الترفيه بل هي متكاملة من جميع النواحي ..
وأنني أدعو الأمة بأسرها للقيام بدورها في حفظ شبابها والاهتمام بأحوالهم .
فما وجدت الانحرافات الفكرية والأخلاقية إلا لما أُخل بمنهج التربية التي ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها .
فعلى الأمة بجميع مستوياتها أن تقوم بالدور المطلوب تجاه الشباب .
نراعي حوائجهم ومتطلباتهم الاجتماعية والنفسية والمالية نصل بهم إلى جوانب الإقناع وعدم التبعية وإلغاء العقول .
وإحياء الحوار مع أبنائنا وشبابنا لنصل بهم إلى بر الأمان ، ونغرس فيهم معالم الرسالة المحمدية .
والأخلاق النبوية ... وإن في قصته صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي استأذنه بالزنا لعبرة ودرسا أترضاه لأمك لأختك لبنتك لخالتك لعمتك فكذلك الناس لايرضونه .. ثم الدعاء له .
نحن بحاجة إلى الحوار الصريح مع شبابنا ليخرجوا ما بأنفسهم من مشاعر وأحاسيس أو شبهات قد تعصف بهم في الهاوية فنحن في عصر متلاطم بالمتغيرات وليس الأسرة هي الموجهة فقط لشبابنا فإن القنوات الفضائية وشيطاين الإنترنت فيها مايغسل العقول ويولد الانحرافات ويوجد الشبه والشكوك عند فلذات أكبادنا .
فنحن بحاجة إلى أعمال دور جميع مؤسساتنا فأين مؤسساتنا التعليمية والإعلامية والخيرية والهيئات الإغاثية .. أين دورها وأين جهودها في انتشال الشباب من وحل الجهل والتخبط واللامسئولية إلى نور العلم والعمل وتحمّل همّ الأمة الإسلامية في عقيدتها ورسالتها .
أين التجديد والإبداع وإيجاد البدائل النافعة الجديدة .
أين الأطروحات التي تعالج قضايا الشباب .
إنها أعمال مكررة في كل عام قد عفى عليها الدهر وملّها الشباب ولم يجد فيها ما يعالج مايختلج في نفوسهم .. وما يؤملونه من آمال وتطلعات.
إن المنهج الحق في معالجة قضايا شبابنا تكمن في :-
1- إحياء دورهم الفعال في بناء دولتهم ورسالتهم الإسلامية والاستفادة من طاقاتهم الهائلة .
2- العمل على إيجاد الحلول الجذرية لكل مايعيق شبابنا عن مواصلة التطور والبناء .
3- إنشاء مراكز توعوية تقوم بتوجيه أفكار ونشاطات شبابنا لما يخدم مصالح أمتنا .
4- الحفاظ على جهود الشباب وطاقاتهم كي لاتذهب سدى في مهب الريح بين السهر ومشاهدة البرامج الهابطة والرياضات المدمرة لمشاعر وعقول أبنائنا الشباب .
5- استغلال أوقاتهم لحظة بلحظة .
6- العمل على إنشاء المراكز التعليمية والمهنية التي تساعد الشباب في شق طريق الحياة الناجح والمثمر .
7- السمو بعقلية التفكير عند الشباب لما يعود مصلحته له ولدينه .
8- تكريس روح المحبة والألفة والاجتماع بين أبنائنا الشباب ليخرج جيل مترابط الأواصر متلاحم العقيدة والعمل .
9- طرد كل ماله صلة بتقعيس الشباب عن واجبهم الديني والذاتي .
10- تهيئة الجو العام لما يخدم مصالح الشباب الهادفة والمثمرة وتسخير الإمكانيات لذلك .
بهذا نكون قد أحيينا أمتنا من جديد وعاش أبناؤها في ظل المودة والعطاء بغير حدود ورسمت على وجهها إشراقة الحياة وعودتها إلى مجدها التليد بوضاء وفكر سديد .
وبغير هذا ستبقى في دائرة الأمم المتأخرة المنبوذة اجتماعيا ودوليا لاقائد يقودهم نحو الأمن والسلام ولاشباب يدافع عن حمى البلاد فيكون ذلك سببا في انتشار الفوضى والفساد والتخلف دون رقيب أو حسيب .
أيها الأخوة المؤمنون
ربّوا أبناءكم على عزة الإسلام وماضيها المجيد فإنه لن يصلح أمر هذه الأمة بما صح به أولها فالشواهد كثيرة ولايسعنا في هذا المقام إلا التذكير لأولى الأعلام برؤوس أقلام .
ملــــــــــــــحق
إن النبي صلى الله عليه وسلم ربى شباب الإسلام قولاً وفعلاً وتقريراً ومدحاً وثناءً وتقوية العزيمة وتحمل المسؤوليات العظيمة دون إفراط أو تفريط . وتبعه في ذلك كبار الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .
لم يكن يذر الشباب هملا بل شحذ همته لهم وجعل طاقته في تربيتهم وتأصيلهم .
فها هو يدعو لغلام يافع هو عبدالله بن عباس رضي الله عنه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال ( من وضع هذا فأخبر فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) الصحيحين 2589 .
وعن ابن مسعود قال كنت غلاما أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقال أو قالا عندك ياغلام لبن تسقينا ؟ قلت إني مؤتمن ولست ساقيكما فقال : هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا فحضل الضرع وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب يعني القران فقال إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ماينازعني فيها أحد ) صحيح السيرة 124 .
أدب رفيع وتعامل إنساني سام ، وتوجيه لطيف يسبي القلوب والأجساد معا .
الله أكبر الله أكبر لقد صدق الله تعالى فيه عندما وصفه بقوله ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .
هكذا تكون التربية والتوجيه والنظر إلى الغايات والأهداف والمقاصد فنعم المعلم ونعم المربي .
إن الشباب ثروة كبيرة ونعمة عظيمة لأنها هي اليد المنتجة واليد المعطاء ، أجسادهم قوية وعقولهم صافية وطموحاتهم عالية يجابهون الموت لايترددون ، غاياتهم تسامي الشمس في عليائها وأفكارهم تخاطب الكواكب في مجرّاتها ، إنهم قوة خارقة لايهابون صعود الجبال فهم للأمة كالشمس للأرض بهم تحيا الدول وتعمر البلاد وتحفظ الثغور وتأمن الخدور على نفسها .
ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب
لقد برز اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشباب الأمة منذ نعومة أظفارهم فهم شعلة الحياة وأمل المستقبل الزاهي .
إن تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله وتربيته لشباب الأمة هو ماجعل الأمة الإسلامية في زمن قياسي عجيب تضاهي دول المشرق والمغرب والشمال والجنوب في قوتها وتفوقها ونجاحها وعطائها .
إن التسامي بالروح الفاضلة والأخلاق العالية تجعل القلوب تهوى الداعي لتلبي له مايريد .
إن محمدا صلى الله عليه وسلم بدأ بتوعية الشباب منذ صغرهم ليكونوا أهلا للسير على خطاه في كبرهم .
فها هو يردف ابن عباس خلفه فيقول له ( ياغلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيئ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشي لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .
وهاهو ينادي شباب الأمة ( يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) الجامع الصحيح 7975 .
لقد رحل محمد صلى الله عليه وسلم عن الدنيا بنفسه ولم ترحل أنفاسه فقد خلّف وراءه أمة تحمل أفكاره وتحمل همّ دينه لتبلغه أمة الإنسانية دون كلل أو ملل فعن عائشة بنت طلحة قالت قلت لعائشة وأنا في حجرها وكان الناس يأتونها من كل مصر فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها وكان الشباب يتأخوني فيهدون إليّ ويكتبون إليّ من الأمصار فأقول لعائشة ياخالة هذا كتاب فلان وهديته فتقول لي عائشة أي بنيه فأجيبه وأثيبه فإن لم يكن عندك ثواب أعطيتك فقالت فتعطيني) المفرد 1118.
فإذا أردنا بناء شباب الإسلام ليكون كالجبال الراسيات والجدار الصاد لكل باطل قادم من الداخل أو الخارج كان لزاما علينا أن نعلم سنة نبينا في طريقة تتبعه لنشأة الشباب فنبدأ كما بدأ عليه الصلاة والسلام والتي منها اختيار الاسم المناسب، حلق رأسه وأن يعق عنه، يدعو له .
يربيه على حب العلم والعلماء والعمل بمقتضى ذلك إن أبناءنا هم أكبادنا فإن لم نربيهم ونسعى في إصلاحهم فهل ستقوم القنوات الفضائية والشوارع المنتنة والتبشيرات النصرانية بإصلاح سريرتهم والأخذ بأيديهم إلى رفعة أمتهم والحفاظ على دينهم وثرى وطنهم إن هذا لشيء عجاب !! .
إن اغتنام الفرص أولى من جلب اللوم على النفس والتمني بعد فوات الأوان يوم لاينفع الندم .
فها هو صلى الله عليه وسلم يختار قائدا لجيشه قبل وفاته صلى الله عليه وسلم من فئة الشباب إنه أسامة بن زيد رضي الله عنها وفي هذا الجيش أبي بكر وعمر وهذا أبو بكر رضي الله عنه يعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فينفذ أمره بعد وفاته فيسيّر الجيش بقيادة ذاك الشاب اليافع ابن حبّ رسول الله .
فو الله لن تنجح دولة ولن تنعم أمة إلا باستغلال طاقات شبابها وتسخيرها لخدمة أمتها ولنا في رعيل أمتنا الأول قدوة حسنة .
د.أحمد بن صالح الطويان |