| خواطر بعد الدراسة
دور العلم ومحاضن التعليم وقفت هذه الأيام في نهاية المطاف ، الجميع يخوض لميدان الامتحانات.
ولنا مع ذلك وقفات إثر وقفات تصحيحا للوضع وبحثا عن سبيل المجد رُقياً بالأجيال إلى مراتب العلم فماذا جنى المجتمع من حصاد التعليم وماذا خرجت المدارس والجامعات ودور التعليم ،هل تخرج فيها أشكالاً أم حقائق ، وهل هم حملة علم أم شهادات .
أيها الأخوة
إن أول واجب يجب أن ينطلق منه التعليم أن يتعلم العلم فيقصد به وجه الله .
فالإخلاص في طلب العلم من أهم المهمات قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى ) وفي الحديث الصحيح من طلب العلم ليماري به السفهاء ويجادل به العلماء وليصرف وجوه الناس إليه لم يرح رائحة الجنة ، وإن أسلوب التعليم من أجل الامتحان أسلوب منتشر في كثير من مدارسنا يتعلم الطالب لكي يجتاز الامتحان لا ليرفع الجهل عن نفسه وعن غيره .
ولهذا تولد لدينا جيلاً لايعرف ماتعلمه بعد الامتحان ولايريد أن يعرف !! ، وإن فصل العلم والتعليم عن التربية والتوجيه له انفصام في الأجيال فيحفظ الطالب المعلومات دون أن يتعلم الأدب والخلق .
يُعلم المعلم لكي ينال تقديراً وامتيازاً ، لايرعى في هؤلاء الطلاب الأمانة والمسئولية ، إذاً لابد من التصحيح لكثير من المفاهيم المغلوطة لكي نستفيد من المناهج المرسومة .
وإن كان لابد أن نذكر لأهل الفضل فضلهم من وجود الأكفاء من الرجال المخلصين الذين يسعون لإرضاء الله قبل إرضاء البشر ويحرصون على التعليم والتربية ويتحملون العناء من أجل إخراج جيل صالح مصلح فهؤلاء لهم أجرهم ونورهم عند ربهم ويصدق في مثل هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير ) .
ولذلك يوجد من طلابنا من جَمَعَ بين الأدب والخلق والعلم والدين فكان نعم المسلم الصادق النافع ، وصاروا قرة عين لوالديهم ولبلادهم.
أيها الأخوة
ولئن انتهت مناهج التعليم فإنه لابد أن نعلم أن العلم لاينتهي ، وإن العلم هو الذي أمر الله بالازدياد منه ( وقل ربّ زدني علما ) ، فلنتعلم مايهمنا في أمور ديننا ودنيانا .
فهاهي الدورات العلمية في المساجد ، ودروس أهل العلم ، وهاهي حلقات تحفيظ القران الكريم ، وهاهي المراكز الصيفية وهاهي الدورات في مجالات العلوم في الحاسب واللغة وغيرها .
فلنتعلم من مدرسة الحياة التي تصقل المواهب وتزيد في العطاء .
أيها الأخوة
إن مدرسة الحياة مدرسة لاتقفل أبوابها والمتعلم لاينتهي من تعليمه إلا حين يفارق الحياة ، وكلما زاد عمر الإنسان اكتسب تجارب الحياة فيتدرب الشباب على الاستفادة من أوقاتهم وطاقاتهم ، ولنا أسوة في الإمام أحمد يرحمه الله حين قال: ( من المحبرة إلى المقبرة ) ، فعمل المؤمن لاينتهي إلا بنهاية أجله وسعي الإنسان في هذه الحياة إلى الكمال متواصل لا يحده وقت ولا يحصره مكان.
أيها الأخوة :
العمل شرف ولاسيما إذا كان باليد وأفضل ما أكل الإنسان من كسب يده و الأنبياء أكلوا من كسب أيديهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن خير الكسب كسب يدي عامل إذا نصح ) رواه أحمد وهو صحيح .
وعن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ماكسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده ) الحديث أخرجه ابن ماجه وهو صحيح .
وروى البخاري ( ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ) .
وإن تنشئة الأجيال على العمل والجد وتحمل المسئولية له واجب يجب أن يشترك فيه الجميع .
فلنحتضن هؤلاء الشباب وندربهم على الأعمال فمن حباه الله مالا ومشاريع فليفتح المجال للشباب ليتعلموا في ميدان العمل ، كما أمر الله تعالى بقوله(وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان).
وإن التدرب على مسؤليات الحياة والإعتماد على النفس هو الميدان الذي يجب أن نجعل شبابنا يتسابقون فيه وليس عيبا أن يعمل الشاب ولو كان لايحتاج إلى المال .
أيها الأخوة
إن لم تُشغل النفس بالحق شغلت صاحبها في الباطل وإن الفراغ داء قاتل ولاسيما في شباب توفر المال بأيديهم ووسائل الإفساد متوفرة معهم .
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
فأين يقضي مثل هؤلاء الشباب وقته وعمره إنه في المقاهي حيث يجتمعون على مفاسد عظيمة ومنكرات فظيعة ، حيث تتسابق هذه المقاهي لعرض العري وطرق الإغواء وانتشار الفاحشة ، وانظر إلى التجمعات عندها يكفيك ما بداخلها .
وكذلك في الاستراحات المؤجرة حيث القنوات الفضائية فإلى متى يترك الشباب فلذات أكبادنا يعيشون عيشة الفساد يحيون الليل فساداً وإفسادا والنهار نوما وبطالة وكسلاً .
لانتركهم نهبا للقنوات الفضائية يتابعونها ليلا ونهارا ولا للمواقع الإباحية على شبكات الإنترنت حيث يتعلمون منها ما يندى له الجبين ويجزن له القلب .
أيها الأخوة
مَنْ مِنَا فكّر في أولاده مع من يقضون أوقاتهم وأين يقضون حياتهم .
كفانا غفلة وإعراضا ، إنه من الواجب أن نُعد العدة للتربية والتوجيه والتعلم ، فلئن أقفلت المدارس أبوابها ، فإن أبوابا أخرى موجودة ولكن تريد عملا وجداً وإحساساً بالمسئولية ، ( فالرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها وكلكم راع ومسؤول عن رعيته ) .
فالوسائل كثيرة لإشغال الوقت بما يفيد ، ومجالات العلم والتوجيه والتربية موجودة بحمد الله ، بتدريبهم في سوق العمل أو في الدورات التدريبية فأين الراغبين بها .
لابد أن تقوم الأسرة بدورها في التربية والتوجيه ، فالأسرة هي الركيزة الأولى في التربية
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ماكان عوده أبوه
والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .
وإن انحراف النشء منشأه من الأسرة لضعف الرعاية أو غفلة الأبوين ، وإن غياب دور الأسرة أنتج جيلا أثرت فيه عوامل التغريب ، فهروب رب الأسرة عن مسئوليته أوجد فراغاً مليء بالمؤثرات الخارجية التي قضت على فكر الشباب وأخلاقهم وإن تفكك الأسرة وتفرقها من أسباب فشلها وضياعها ، واستقرار الأسرة وترابطها من عوامل نجاحها. أين النصح والإشفاق والرعاية والاهتمام ؟
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنُصحه إلا لم يدخل معهم الجنة) وفي الحديث الآخر ( فيموت حين يموت وهو غاش لهم إلا لم يدخل الجنة).
وعيد شديد للمفرطين المقصرين الذين يرعون أموالهم أكثر من رعايتهم لأولادهم .
للذين يحرصون على الرعاية البهيمية من الكساء والغذاء والدواء ولم يعطوا الرعاية الروحانية حق الرعاية من الحنان ودفء المشاعر والتربية والتوجيه .
وإن في هذه الإجازة فرصة لقيام الأسرة بدورها المطلوب وملئ الفراغ بما يفيد وينفع ، ماذا ستقدم الأسرة لأبنائها وبناتها في هذه الإجازة!!؟!.
أيها الأخوة
إن المسلم الحق هو الذي ينظر إلى الحياة فيعدها مضمار عمل يجب أن يتسابق في مرضاة رب العالمين .
وإن المسلم الحق هو الذي يكون نافعا لنفسه ولإخوانه المسلمين ولمجتمعه المسلم .
وإن الإحساس بالخطأ سبيل من سبل العلاج ، ولئن كان كثير من الناس يمجد ماعند الغرب من الوسائل لإشغال الطلاب في إجازاتهم بما ينفع وطنهم ، إلا أن الإسلام هو القائد المعلم لمثل هذا الأمر دعى للعمل واكتساب الصنعة والتعلم من تجارب الحياة .
وإن الاستفادة من تجارب الآخرين هو طريق الأولين .
أيها الأخوة
إن حياة البطالة حياة يحاربها الإسلام ويحذر منها وإن حياة الترف والكسل والنوم وحب الخمول هي حياة لم يعرفها المسلمون الأوائل وما اتصف بها من أحد إلا كان أذل الناس وأحقرهم .
يعيش جيل لايعرف ماحوله ولايريد أن يعرف ، حتى السيارة التي يركبها لايعرف فيها إلا داخلها وقيادتها ، حتى النساء تلبس ما لاتستطيع خياطته وتأكل ما لاتستطيع طبخه فأين التدريب فيما يخص المرأة من شئون ، فالفتاة اعتادت الخمول والكسل فأين تدريبها على الأمومة وطبائع النساء ، لابد من تسخير كل وسائل التوجيه لتوجيه طبقة الشباب من بنين وبنات إلى مافيهم خيرهم في الآخرة و في الدنيا .
أيها الأخوة
إن مقاييس النجاح في الحياة لدى الكثير من الناس مرتبط بالدراسة النظامية فيحكم على أبنائه بالفشل والنجاح بمقياس الدراسة ، دون النظر لمواهبهم التي وهبهم الله تعالى لهم فتجد البعض من الآباء يساوي بين أولاده في القدرات والمواهب ويريد أن يقلد بعضهم البعض في الحياة ، والله سبحانه وتعالى فضل بعضهم على بعض ، فعلينا ألا نقتل مواهب أولادنا بنظرتنا القاصرة لمفهوم النجاح في الحياة علينا التعرف على صفاتهم لنوجههم الوجهة الصحيحة المفيدة لهم .
أيها الأخوة
مع هذه المشاهد المبكية والمحزنة التي نراها في واقع الشباب إلا أننا نرى شباباً صالحين ومصلحين نشئوا وترعرعوا على الخير والاستقامة تسابقوا إلى حلقات العلم وإلى الدورات وإلى المراكز الصيفية وإلى الدورات التدريبية فأسأل الله أن يقر عيون والديهم بهم وأن ينفع بهم الإسلام والمسلمين ، ونرى شباباً تحملوا مسئوليات فقاموا فيها حق قيام ، ونرى صوراً من الشباب الجاد الذي يعمل ويكدح ويرى أن شرفه بالعمل والجد والاجتهاد ، ونرى فتيات صالحات حافظات لكتاب الله يتسابقن في حفظ كتاب الله فلهؤلاء الدعاء والتوفيق .
أيها الأخوة
إن الكلام حول الواقع لايعني عدم وجود الخير والصلاح ولكن نريد خطوات للإصلاح .
ولنعلم أن لانحراف الشباب مضار ليست على أنفسهم أو بيوتهم بل على مجتمعهم .
فالمضار الاجتماعية والأمنية والخلقية ، وغيرها .
فإذا سُعي للإصلاح اختفت هذه المضار والمظاهر ونعم المجتمع بالأمن والأمان .
د.أحمد بن صالح الطويان |