|
الحمد لله القائل إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وأشهد أن محمدا عبده ورسوله نصره الله بنصره وأيده بتأييده نبينا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .. أما بعد
في يوم النصرة والغلبة يستعذب أهل الإيمان الحديث عن النصر وفي وقت القنوط واليأس من الواقع نذكر المؤمنين بما وعد الله به أهل الإيمان من العز والتمكين ، فالنصر محبب للنفوس تفرح به النفوس وتستبشر قال تعالى ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم ) .
ولهذا بشر الله بالنصر عباد الله المؤمنين ( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) . وحين نزل النصر وتعلوا راية التوحيد ويندحر الشرك وأهله والكفر وأهله تبتهج قلوب المؤمنين ، وقد وعد الله بنصر المؤمنين والتمكين له .
قال تعالى ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) .
( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) .
( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) .
( وكذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) .
وأهل الإيمان يعلمون أن النصر من الله تعالى ( وماجعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ) .
فإذا جاء نصر الله تعالى فلا قوة تغلبه وتقهره ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) .
أيها الأخوة
ومن سنة الله أن يتأخر النصر وتتعلق النفوس بخالقها وبارئها ولذلك أمر الله عباده بدعائه والاستغاثة به ( فانصرنا على القوم الكافرين ) .
وقد صور القران تلك الصورة ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) .
( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولايرد بأسنا عن القوم المجرمين ) .
أيها الأخوة
ونصر الله للمؤمنين لايعد ولايحصى وإذا نزل النصر انقلبت الحقائق واختلفت الموازين الأرضية.
فها هو نبي الله موسى عليه السلام يطارده فرعون وقومه بأسلحتهم وعتادهم وهو لايملك شيئا من الدنيا فاراً بدينه هو ومن معه من المؤمنين إلى البحر ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وماكان أكثرهم مؤمنين ) .
ونبي الله إبراهيم ليس مؤمن غيره ، يجتمع قومه ليرموه في نار تلتهب ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلنهم الأسفلين ) .
وينزل النصر على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ).
وفي الأحزاب ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ اجاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) .
وقال تعالى ( ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ) .
تلك مواطن النصر وهي كثيرة في الماضي والحاضر وقد تتعدد صور النصر والفتح .
فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصد عن البيت وتمنعه قريش من العمرة وتشترط شروطا في الهدنة هي في ظاهرها ضعف للمسلمين وتمكين للمشركين وينزل الله تعالى قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا ) .
فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحا كما سماه الله فتحا مبينا .
في موقف تأخر بعض الصحابة عن الاستجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وظنهم أن في ذلك انتقاص للمسلمين ، فكان خيرا وفتحا .
أيها الأخوة
يمر على الأمة الإسلامية يوم عاشوراء يوم العاشر من محرم يوم نجى الله فيه موسى من فرعون يوم أعلى الله به الحق ودحر فيه الباطل .
ولنا مع هذا اليوم وقفات
الوقفة الأولى
جاء في الحديث بمخالفة اليهود في صيام يوم عاشوراء وهكذا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم في مخالفة اليهود والنصارى فكان عليه الصلاة والسلام يخالفهم ويأمر أمته بمخالفة المشركين .
وفي ذلك تربية للأمة بعدم التعلق بما عندهم ولا في حياتهم وفيه تنبيه لأصل من أصول الإسلام وهو الولاء والبراء فالولاء لأهل الإيمان والبراء من المشركين ( يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) وإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله .
والوقفة الثانية
صوم هذا اليوم فضيلة عظيمة وحرمة قديمة وصومه لفضله معروفا بين الأنبياء فقد كان هذا اليوم مفروضا صيامه قبل فرض صيام رمضان ثم نسخ بصيام رمضان وقد صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه .
وجاء الأمر بصيام يوم قبله أو بعده مخالفة لليهود وقال عليه الصلاة والسلام ( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ) وقال عليه الصلاة والسلام منبها لفضل صيامه ( أحتسب على الله أن يكفر الله به السنة الماضية ) .
وفي الصحيحين عن ابن عباس عن صوم عاشوراء فقال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني محرم.
والوقفة الثالثة
مما ابتدع في هذا اليوم ما ابتدعته الرافضة من جعل يوم عاشوراء مأتما على موت الحسين بن علي رضي الله عنهما ، قال الحافظ بن رجب ( أما جعله أي عاشوراء مأتما فإنما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا ولم يأمر الله ولارسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم ) .
وما ورد في الصدقة فيه فلا يثبت منها شيء وكذلك التوسعة فيه على العيال فلم يثبت ذلك .
وقال الحافظ ابن رجب ( وكل ماروي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب به والاغتسال فموضوع لايصح .
والوقفة الرابعة
شهر محرم من الأشهر الحرم وقد قال صلى الله عليه وسلم ( أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله الذي تدعونه المحرم ) .
وهو أفضل الأشهر الحرم فقد افتتح الله به السنة ويسمى الأصم لشدة حرمته .
ولقد ورد في الحديث ( أفضل الشهور بعد شهر رمضان المحرم وهو شهر الله الأصم ) .
فالله هو المدبر لعباده .
أيها الأخوة
النصر من عند الله وكتب الله النصر للمؤمنين واقتضت سنة الله أن يتأخر النصر ثم يحصل التمكين . فماذا نحن مع النصر .
لقد قال تعالى ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ) . فلننتصر على شهواتنا وعلى أنفسنا ولننصر الله في أنفسنا ننصر أوامره ، ننصر كتاب الله وسنة رسول الله ، نجعلها الحاكمة لأفعالنا وأقوالنا حين يكون أهل الإيمان على صلة بربهم وخالقهم يأتيهم النصر لا محالة .
لما أراد سعد أن يعبر الفرات قال لأحد القادة انظر ماذا يفعل الجند فنظر إليهم فإذا هم إذا جن الليل باتوا ركعا وسجدا فقال اعبروا بإذن الله تعالى .
فعبرت الخيل والجنود فلم يفقدوا من متاعهم شيئا إلا كوزاً سقط من أحدهم فسار به إلى الماء الشاطئ .
وهذا العلاء ابن الحضرمي لما بعثه أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال المرتدين فعرض البحر بينهم وبين عدوهم حتى مشوا فيه بأرجلهم وقطعوا الماء في مكان تجري فيه السفن .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء ابن الحضرمي إلى البحرين تبعته فرأيت منه ثلاثة خصال لا أدري أيتهن أعجب انتهى إلى شاطئ البحر فقال سموا واقتحموا فسمينا واقتحمنا فعبرنا فما بل الماء إلا أسفل خفاف إبلنا فلما قفلنا صرنا بعد بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلى ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عزالها فسُقينا واستقينا ، ومات بعدما بعثه أبو بكر إلى البحرين لما ارتدت ربيعه فأظفره الله بهم وأعطوا مامنعوا من الزكاة ومات فدفناه في الرمل فلما سرنا غير بعيد قلنا يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره ) رواه الطبراني في الثلاثة .
تلك رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا .
سطروا انتصارات عظيمة وفتوحات كبيرة ، بقلوب مليئة بالإيمان لم يقاتلوا بعدد ولاعدة وإنما قاتلوا بإيمان يزن الجبال الراسيات فتحقق فيهم قول ربهم جلّ وعلا ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) . فأهل الإيمان كتب الله عليه حقا نصرهم ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين )
ألا ما أحوج الأمة اليوم أن تتحلى بتلك المعاني في نفوسها ويعد كل فرد نفسه أن يكون من أنصار الله تعالى .
د. احمد بن صالح الطويان
|