|
سنة الله في خلقه صراع قديم بين الحق والباطل تتعاقب الأجيال ويتكرر الصراع ، وحين بعث سيد البشر خاض المعركة الخالدة مع الباطل وكتاب الله يتلى فيه التثبيت له والتسلية ، ويبين أحداث مضت مع أنبياء الله فيكون عبرة وعظة للأجيال المسلمة ، وفي عصر مثل هذا العصر الذي يشتد فيه الخطب وتعظم فيه المحنة على المسلمين يجب على أمة الإسلام أن تستلهم من كتاب ربها ثباتا للمواقف العصيبة وقوة في الثبات على الحق .
وحين تربط الأجيال المسلمة بهذا النبع الصافي والمعين العظيم تتجدد حياتها ويقوى إيمانها ويعز أمرها وتجمع فرقتها .
أيها الأخوة
إن في القران قصصا من أحسن القصص يتلوها المسلم فيحس بالاعتزاز ويدرك سنة الله في الخليقة ويعرف لمن النتيجة .
وأمة الإسلام يربطها بأنبياء الله رباط الإيمان بالرسل جميعا من أولهم إلى آخرهم ( لا نفرق بين أحد من رسله ) وفي مطلع كل عام تتجدد الذكريات مع حدث عظيم ومع جهاد كبير ألا وهو ماكان بين موسى وفرعون ويؤكد الرسول الكريم عظيم صلة الأمة المسلمة بنبي الله موسى بقوله ( نحن أحق بموسى منهم ) .
أيها الأخوة
قصة موسى مع فرعون قصة تكررت في القران لأنها من أعجب القصص فلا يغني الحذر من القدر حذر فرعون من موسى فقتل أطفال بني إسرائيل فجعل الله حياة موسى على فراشه ومائدته وكان له بمنزلة الولد وترعرع في بيته وجعل الله له سببا في خروجه ورزقه الله النبوة والرسالة والتكليم وبعثه الله إليه ليدعوه إلى الله فجاءه برسالة الله وليس له وزير سوى أخاه هارون فتمرد فرعون واستكبر وطغى وأهان أهل الإيمان وقتل منهم من قتل وخرج موسى ومن معه من المؤمنين وتبعه فرعون ومن معه من الكافرين حتى وصلوا البحر فأمر الله موسى بالسير على البحر ( فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) قال موسى بعزة الواثق بربه ( كلا إن معي ربي سيهدين ) فأمر الله بضرب البحر ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) وتبعهم فرعون وجنوده فأغرقهم الله جميعا ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) .
أيها الأخوة
تلك من أنباء الغيب أوحاها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث يؤكد نهاية الطغيان وهلاك المجرمين ونصرة الحق ونجاة المؤمنين .
يتحقق النصر ويشهد ، والنصر يمتد فقد تكون النهاية في الحياة والنصر يتحقق في الآخرة .
لقد انتصر الخليل لما قذف في النار وانتصر أصحاب الأخدود وأن أحرقوا بالنار وانتصر الغلام المؤمن وإن كانت روحه قد أزهقت على ملأ من الناس .
فالنصر أشمل من صورته الظاهرة المحسوسة وليعلم المسلم أن الثبات على الحق نصر ولا يصاب المسلم بالإحباط إذا لم يشهد نصر الحق وأهله في هذه الحياة فليست هذه الحياة نهاية المطاف بل إن حياتهم ليست نهاية الحياة فقد يشهد النصر أبناؤهم وأحفادهم .
أيها الأخوة
الحفاظ على النصر ومضاعفة الشكر حين تتضاعف النعم وكما يمتحن الله بالضعف والذلة والهزيمة يمتحن بالقوة والعزة والنصر والتمكين .
فمن الناس من يصبر حال الضعف والقلة ولا يشكر في حال القوة والكثرة والمؤمنون الصادقون هم الذين يصبرون دون الضراء ويشكرون في السراء .
ووصف الله عباده الذين يستحقون التمكين في الأرض ويستحقون النصر بقوله ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) .
أيها الأخوة
إن أهل الحق حين يقابلون الباطل لا ينتصرون بكثرتهم ولا بعدتهم ولكن بإيمانهم وقوة عقيدتهم ( كم فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ( ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا ) .
إن قوة المادة لا تقابل قوة الإيمان وإن كان أهل الإيمان أمروا بالاستعداد وأخذ القوة لأنها من الأسباب ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) .
أيها الأخوة
حينما يصدق الإيمان ويعظم التوكل على الله تنقلب الموازين الأرضية وتختلف العادات الكونية فنبي الله إبراهيم قذف في النار فكانت بردا وسلاما وموسى عليه السلام خاض البحر فكان طريقا يبسا لا يخاف دركا ولا يخشى .
ولكن إذا كانت القلوب متعلقة بغير الله متوجهة إلى ما سوى الله يكل الله الناس إلى نفوسهم .
أيها الأخوة
واليأس حين يسيطر على النفس يفقدها الثقة بالنصر واليأس والقنوط من أسباب الفشل والأمل طريق للعز والعمل فمهما اشتدت الخطوب وعظم الكرب إلا أن النصر قريب فكلما ضاق الأمر جاء الفرج ( ألا إن نصر الله قريب ) .
وما على المسلم إلا أن يكون وسيلة للإصلاح ومفتاحا للخير وأن يتسلح بسلاح الصبر والمصابرة .
حفظ الله ورعايته للعبد هو أعظم الحفظ فاحفظ الله يحفظك .
وحفظ الله .
د. احمد بن صالح الطويان |