| في شدة الحر
نعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظات لنقتبس من آثار النبوة ومعاني الرسالة .
لقد قاسى النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الدنيا وتقلب فيها في بردها وحرها وصيفها وشتائها ، فكان ذلك لايغير من عمل كان يعمله ، فكانت حياته جهادا وصلاة وصوما وحجا ، ولعلنا نعرض لصور شتى من عبادته وجهاده في شدة الحر ، وكيف تحمل المصطفى صلى الله عليه وسلم تلك المصاعب في سبيل الطاعة لتكون لنا نبراسا وقدوة في طريق الحياة .
قال خباب رضي الله عنه شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا ، وكانوا يصلون الظهر في شدة الحر قال أبو برزة الأسلمي كان يصلي الظهر بالهاجرة والهاجرة شدة الحر ، وقال أنس كنا نضع أطراف ثيابنا اتقاء شدة الحر ، وقال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه ) رواه البخاري . وفي مسلم عن جابر كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأطال القيام ثم ركع ... الحديث ) .
وصلى الجمعة في حر شديد قال ابن عباس ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في يوم صائف شديد الحر ومنبره قصير إنما هو ثلاث درجات فخطب الناس فعرف الناس في الصفوف فثارت أبدانهم ريح العرق والصوف حتى كاد يؤذي بعضهم بعضا حتى بلغت أرواحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسن أحدكم أطيب ما يجد من طيبه أو دهنه ) رواه الحاكم .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة فَشِدّة الحر من فيح جهنم ) .
وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يصوم في شدة الحر قال أبو الدرداء رضي الله عنه خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحه ) رواه البخاري.
وروى الحاكم في المستدرك عن أم عبدالله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وذلك في طول النهار وشدة الحر فرد إليها الرسول أنى لك هذا اللبن قالت من شاة لي قال أنى لك هذه الشاة قالت اشتريتها من مالي فشرب فلما أن كان من الغد أتت أم عبدالله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله بعثت إليك بذلك اللبن مرثية لك من شدة الحر وطول النهار فرددتها مع الرسول فقال النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أمرت الرسل ألا تأكل إلا طيبا ولاتعمل إلا صالحا ) .
وعن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم ) .
وعن أبي سعيد قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له فقال اشربوا أيها الناس قال فأبوا قال إني لست مثلكم إني أيسركم إني راكب فأبوا فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وماكان يريد أن يشرب .
وكان خروجه وأسفاره في شدة الحر للجهاد في سبيل الله ولما قال المنافقون لاتنفروا في الحر قال الله تعالى في كتابه ( وقالوا لاتنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) .
وعن أبي عبدالرحمن القهري قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين فسرنا في قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته قد حان الرواح يا رسول الله قال أجل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال فثار من تحت سمرة كان ظله ظائل طائر فقال لبيك وسعديك وأنا فداؤك ثم قال أسرج لي فرسي فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال فركب فرسه ثم سرنا يومنا فلقينا العدو .. الحديث ) ابن سعد وأحمد والبيهقي .
وأخرج ابن المنذر في قوله تعالى ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) عن قتادة قال هم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزة تبوك قِبَل الشام في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد أصابهم فيها جهد شديد حتى ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان الثمرة بينهما وكان النفر يتداولون الثمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها الماء ثم يمصها الآخر .. ) .
قال ابن إسحاق ( ثم إن أبا خثيمة رجع بعد ماسار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطة قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما .
فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وماصنعتا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضحِّ - أي في الشمس - والريح والحر وأبو خثيمة في ظل بارد وطعام مهيئا وامرأة حسناء وفي حاله مقيم ماهذا بالنصف والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن العسرة قال : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل مابقى على كبده .
فقال أبو بكر الصديق يارسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال أوتحب ذلك قال نعم قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعها حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت فملؤوا مامعهم ثم ذهبنا ننظر لم نجدها جاوزت العسكر ) قال ابن كثير إسناده جيد .
وقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر تاركاً بلده مهاجرا داعيا إلى الله تعالى قال أبو بكر ( قال خرجنا فأدلجنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي إليه فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت له اضطجع يارسول الله فاضطجع .
وفي قدومه للمدينة قال أنس فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وركبه الناس ومايعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله فقال أبوبكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك .
وخرج حاجاً في شدة الحر ، روى مسلم عن أم الحصين قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى حجرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس ) الحديث . وفي رواية ( يستره من الحر ) .
وعن المطلب بن أبي وداعة قال ( طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في يوم قائظ شديد الحر فاستسقى رهطا من قريش فقال هل عند أحد منكم شراب ... الحديث ) رواه البيهقي .
وكان مع ذلك في شضف من العيش وروى ابن ماجه عن أبي أمامه قال ( مر النبي صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد وكان الناس يمشون خلفه فلما سمع صوت البغال وقرَّ ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه لئلا يقع في نفسه شيء من الكبر ) .
فعن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لايخرج فيها ولايلقاه فيها أحد وذلك عند الظهيرة فأتاه أبو بكر فقال ماجاء بك يا أبا بكر قال خرجت ألقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانظر في وجهه والتسليم عليه فلم يلبث أن جاء عمر فقال ماجاء بك ياعمر قال الجوع يارسول الله قال وأنا قد وجدت بعض ذلك فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري وكان رجلا كثير النخل والشاء ولم يكن له خدم فلم يجدوه فقالوا لامرأته أين صاحبك فقالت انطلق يستعذب لنا الماء فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها فوضعها ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط له بساطا ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم أفلا تنقيت لنا من رطبه فقال يارسول الله إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره فأكلوا وشربوا من ذلك الماء فقال صلى الله عليه وسلم هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد ورطب طيب وماء بارد ، فانطلق أبو الهيثم ليضع لهم طعاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاتذبحن لنا ذات درِّ فذبح لهم عناقا أو جديا فأتاهم بها فأكلوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك خادم قال لا قال فإذا أتانا سبي فأتنا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث فأتاه أبو الهيثم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهما .
فقال يارسول الله اختر لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن المستشار مؤتمن خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفا .
فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت امرأته ما أتت ببالغ حق ما قال فيه رسول الله إلا بأن تعتقه قال فهو عتيق فقال رسول الله إن الله لم يبعث نبيا ولاخليفة إلا وله بطانان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لاتألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وقي ) رواه الترمذي صحيح .
صفحات من الشدة والبلاء التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ومع ذلك لم تمنعه من عبادة ربه والمسارعة في الخيرات , وتبليغ رسالته في الحياة قاسى أنواعاً من الأذى الحسي والمعنوي فصابر ورابط حتى أتاه اليقين صلوات ربي وسلامه عليه ، لم يجد من الطعام ما يملأ بطنه ولم يعش حياة الترف والنعيم وفي ذلك عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
د.أحمد بن صالح الطويان |