| ماذا قدمنا لأسارى المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له أمابعد
تتجلى أخلاق الإسلام في منهج فريد يضع للمسلمين معالم في التعامل مع الآخرين في النصر والهزيمة وفي الشدة والرخاء وفي القوة والضعف .
فالتعامل الإنساني عند القدرة بالعفو والتسامح والرحمة ، كان سمة المؤمنين الفاتحين المنتصرين ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأهل مكة من دخل داره فهو آمن ، ويقول لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء .
وجيوش الإسلام الفاتحة تحمل الرحمة والعفو والتسامح فيأمن الناس في بيوتهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم وحين يقع في الأسر يأتي التعامل الإنساني وتتجلى أخلاق الإسلام .
ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ماعندك يا ثمامة فقال عندي خير يامحمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فاسأل منه ماشئت فتركه حتى كان الغد ثم قال له ماعندك يا ثمامة قال ماقلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى كان بعد الغد قال ماعندك يا ثمامة قال عندي ماقلت قال : أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يا محمد والله ماكان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلىّ والله ماكان دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الآن إليّ والله ماكان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلىَّ .
ولما كان في بدر وأسر المسلمون أسرى المشركين أقبل رسول الله إلى الأسرى وفرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بالأسارى خيرا .
قال أبو عزيز بن عمير كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاؤهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا .
ماتقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها أي أعطاني إياها .
قال فاستحيي فأردها عليهم فيردها عليّ ما يمسها .
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم أنين العباس بالقيد فلم ينم وقال كيف أنام وأنين العباس في القيد فحلّ الأنصار وثاقه وأمر رسول الله أن يحلوا وثاق جميع الأسرى .
قال الشعبي أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين أسيرا وكان يفاديهم على قدر أموالهم وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لايكتبون فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة من غلمان المدينة يعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه .
ومنّ النبي صلى الله عليه وسلم على المطلب بن حنطب وصفي بن أبي رفاعة وأبو عزة الجمحي وعلى أبي العاص بن الربيع .
تلك والله أخلاق الفاتحين المنتصرين المؤمنين التي تربت على منهاج النبوة وأخلاق الإسلام وليست أخلاق سفكة الدماء وقتلة الأبرياء مدعي الحرية والعدل والمساواة .
الذين أجرموا وسفكوا وقتلوا وشردوا وأذلوا الناس وقهروهم وأهانوهم ، وتفننوا في القذارة والفحش والاعتداء على الأعراض .
لم يراعوا خلقا ولا قيما ولا أعرافاً ولا أنظمة ، هاهم أسرى المسلمين في مواطن كثيرة من العالم يذاقون أصناف الإهانة والإذلال والإستبداد .
هاهي المعتقلات الوحشية التي سادت فيه أخلاق الحيوانات ، صور تقشعر لهولها الأبدان مناظر مبكية ومحزنة ومخزية ، مناظر الإذلال والإهانة والتعذيب والتنكيل لم يبقوا في قاموس العنف شيئاً .
فقد ذكر أسير سابق في معتقل قاعدة جوانتنامو الأمريكية أن الأسرى المسلمين يتعرضون لانتهاكات وعمليات تعذيب وحشية من قبل الأمريكيين ، تشمل تمزيق القرآن الكريم ورميه في المراحيض. ويذكر إن المعتقلين كبلوا بالأصفاد خلال احتجازهم في السجون الأمريكية في أفغانستان وحُرموا من الطعام لعدة أيام، مضيفا أن السجانين أدخلوا الكلاب إلى الزنزانات كي تنهش المعتقلين وأن جروح بعضهم تعفنت جراء ذلك ما أدى إلى بتر أطرافهم.
وقال الأسير أن المحققات الأمريكيات كن يعملن على إذلال الأسرى عبر وضع أيديهن الملوثة بدم الحيض على وجوههم .
لقد حرموهم حتى من حواسهم.. فأي كرامة للإنسان .. وأي كرامة للإنسان أن يوضع في أقفاص حديدية..والتي تذكر رؤيتها بأقفاص الحيوانات .. لا يخرج منها لقضاء حاجته إلا مرة واحدة .. وللتحقيق مرات عديدة .. يخرج مكبل اليدين والقدمين ..خافض الرأس .. منكسر النفس .
يعيش أسرى المسلمين تحت حرارة الشمس الحارقة الشديدة .. هذا في الشتاء فكيف يكون الحال في الصيف .. حتى الليل الذي جعله الله سكنا .. هم جعلوه ضياء بتلك الأنوار الكاشفة ..
ففي النهار الشمس الحارقة .. وفي الليل تلك الأضواء الكاشفة .. فمتى يذوق لذة النوم ..وأنى له أن يتلذذ بطعام وشراب وهو يعاني ألمين .. ألم الأسر الذي يعيشه تحت أيدي النصارى الحاقدين .. وألم خذل المسلمين لهم .. وعدم الوقوف في شدتهم .. ونسيان قضيتهم .. وكأن شيئا لم يكن .
كيف يطيب للمسلمين عيش .. ويهنأ لهم طعام .. وإخوانهم أسارى بيد العدو .. بيد عدو حاقد ظالم .. كيف يتلذذ الإنسان بنوم ..
كيف يرقئ للإنسان دمع وهو يرى إخوانه هناك في حالة بؤس وعناء؟!! فأين الحرية التي يزعمون والعدل الذي يرفعون ، والقيم والمبادئ التي ينادون بها .
لقد تبين لكل ذي لب وبصيرة ماهي أخلاق هؤلاء القوم .. إنه الحقد الذي ملأ قلوبهم ضد الإسلام والكراهية والبغضاء .
وصدق الله ( لايرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ) ( قد بدت البغضاء من أفواههم وماتخفي صدورهم أعظم ) .
لقد بدأت البغضاء من أفعالهم الشنيعة المستقذرة التي تترفع عنها البهائم فضلا عن الإنسان . لقد ظهر ماتكنه صدورهم ومايحملونه من أخلاق سافلة وصفات ذميمة .
وإن مسلسلات القتل والإهانة والإذلال والتجويع والتشريد والتعذيب والتنكيل لن تقف عند هذا الحد ، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب ، ومن أُمر بالوحشية ورُبي عليها لايتخلى عنها .
أيها الأخوة
إن النفس البشرية إذا تشعبت بالدماء ونزعت الرحمة منها فإنها تتلذذ برؤية الدماء والأشلاء والدمار والإفساد .
إن هؤلاء القوم ومن سلك مسلكهم وسعى في ركابهم بالتدمير والقتل والإفساد وفي الأرض ، ينظرون إلى القتل أنه متعة وإلى الظلم أنه عدل وإلى الوحشية أنها حرية .
ينظرون إلى الإذلال والإهانة بكل متعة لما تحمله تلك القلوب السوداء من الكره والظلم والطغيان .
تلك النفوس التي تتاجر في الحروب وترى فيها إشباعا لغرائز الظلم والعدوان وسفك الدماء وقهر الشعوب .
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتنزع الرحمة إلا من شقى .. )
هؤلاء الأشقياء والتعساء الذين لم يرتضوا لأنفسهم إلا الإفساد والتدمير والتعذيب والتنكيل والقتل والإبادة .
أيها الأخوة
إن ماتحمله نفوس هؤلاء على جميع طبقاتهم ومستوياتهم من العداء الذي لايمكن معه سلام منشود ، ( وكيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولاذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) .
لا رحمة ولا ميثاق ولا عهد ولا نظام عداء متمكن في النفوس متغلغل في القلوب لاتمحوه الأيام والأعوام بل تزيده .
وتتعاقب الأجيال لحمل لواء العداء للإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان .
فإذا تمكنت تلك النفوس المجرمة سامت الناس ظلما وقتلا وتشريدا وقهرا وإذلالا واستبدادا وطغيانا .
فالواجب على المسلمين أن يدركوا تلك العداوة وأن يعملوا جاهدين لحفظ أنفسهم وإخوانهم من تسلط الأعداء عليهم ، وأن يحفظوا بلادهم بالاجتماع والوحدة والإصلاح وجمع الكلمة .
وأن يحاربوا أدوات الإفساد التي يستغلها الأعداء لتفريق الكلمة وشق الصف وإحداث الفتن وزعزعة الأمن وقتل الأبرياء .
وعليهم بالدعاء بأن يحفظ الله بلادهم وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه ، وأن يرفع البلاء والاضطهاد عن إخواننا المسلمين في كل مكان .
أيها الأخوة
لقد جاءت الشريعة بوجوب فكاك الأسرى وإنقاذهم من أيدي الكفار.
فقد روي مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بمملوكة إلى أهل مكة ففدى بها ناسا من المسلمين المأسورين ) .
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فكوا العاني يعني الأسير ) رواه البخاري
وإنقاذ الأسرى المسلمين فرض على الجميع يجب أن يقوموا به وإلا عمهم الإثم كل حسب قدرته .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لأن أستنقذ رجلا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب . أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه .
ونصرة المسلمين المستضعفين من الواجبات الشرعية والحقوق المرعية .
قال ابن حزم رحمه الله : واتفقوا أنه إن لم يقدر على فك المسلم إلا بمال يعطاه أهل الحرب أن إعطاءهم ذلك المال حتى يفك ذلك الأسير واجب اهـ .
وقال ابن بطال : فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور
وقال مالك : واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم وهذا لا خلاف فيه اهـ .
وليعلم المسلمون أنه يشرع الدعاء لهؤلاء الأسرى كشف الله كربتهم وذلك اقتداءً بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قنت ودعا للأسرى في مكة كما في حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركعة في صلاة شهرا إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته ( اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها سنين كسني يوسف )
وذكر ابن كثير رحمه الله أن امرأة جاءت إلى الإمام بقي بن مخلد رحمه الله فقالت إن ابني قد أسرته الإفرنج وإني لا أنام الليل من شوقي إليه ولي دويرة أريد أن أبيعها لأستفكه فان رأيت أن تشر على أحد يأخذها لأسعى في فكاكه بثمنها فليس يقر لي ليل ولا نهار ولا أجد نوما ولا صبرا ولا قرارا ولا راحة ، (وهذا حال الأمهات في هذا الزمن فكيف يغمض لها جفن وابنها أسير في يدي عدوها فإلى الله المشتكى . فقال بقي :نعم انصرفي حتى أنظر في ذلك إن شاء الله وأطرق الشيخ وحرك شفتيه يدعو الله عز وجل لولدها بالخلاص من أيدي الفرنج فذهبت المرأة فما كان إلا قليلا حتى جاءت الشيخ وابنها معها فقالت: اسمع خبره يرحمك الله، فقال :كيف كان أمرك؟ فقال : إني كنت فيمن نخدم الملك ونحن في القيود فبينما أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيد من رجلي فأقبل على الموكل بي فشتمني وقال: لم أزلت القيد من رجليك ؟ فقلت: لا والله ما شعرت به ولكنه سقط ولم أشعر به ، فجاؤا بالحداد فأعادوه وأجادوه وشدوا مسماره وأبدوه ،ثم قمت فسقط أيضا فأعادوه وأكدوه فسقط أيضا ،فسألوا رهبانهم عن سبب ذلك فقالوا: له والدة؟ فقلت : نعم فقالوا: إنها قد دعت لك وقد استجيب دعاؤها أطلقوه فأطلقوني وخفروني حتى وصلت إلى بلاد الإسلام فسأله بقي بن مخلد عن الساعة التي سقط فيها القيد من رجله فإذا هي الساعة التي دعا فيها الله له ففرج عنه .
كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء عوف بن مالك الأشجعي إليه وقال يا رسول الله : إن ابني أسره العدو وجزعت أمه فما تأمرني ؟ قال : « آمرك وإياها أن تستكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله » فقالت المرأة نعم ما أمرك به فجعلا يكثران منها فغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة فنزلت: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) .
في الأخير
أيها المسلمون : وبعد هذا العرض الطويل أضع لكم النقاط على الحروف فأقول موصياً الجميع بما يلي : أولاً : إحياءقضية الأسرى بحمل همهم والعيش معهم في آلامهم وأحوالهم .
ثانياً : الاتصال بالهيئات والمنظمات المهتمة بحقوق الإنسان للتدخل وتخفيف وطأة العذاب على الأسرى المجاهدين .
ثالثاً : تتبع أخبار الأسرى والسعي إلى إرجاعهم إلى بلدانهم .
رابعاً : تكوين هيئة من المحامين المخلصين لتحريك هذه القضية داخلياً وخارجاً .
خامساً : الإلحاح على الله بالدعاء بفك أسرهم فهو أمضى سلاح .
سادسا : قيام الإعلام بدوره في مناقشة أوضاعهم وقد كان لبعض الصحف جهوداً مشكورة في ذلك .
نسأل الله أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يعز جنده وأن يهئ لهذه الأمة أسباب عزها ورفعتها وقوتها إنه سميع مجيب
د.أحمد بن صالح الطويان |