|
6/12/1423هـ
رمز الأضحية
أمة محمد صلى الله عليه وسلم لها أعظم رباط بنبي الله إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن وأبو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين).
وقال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل لكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس) ..
وهذا الحج شعيرة عظيمة دعا إليها إبراهيم عليه السلام بأمر الله (وإذن في الناس بالحج ...).
وقال صلى الله عليه وسلم: (قفوا على مشاعركم هذه فإنكم اليوم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم).
هذا البيت بناء إبراهيم عليه السلام.
(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
وهذه قصة إبراهيم الأخرى بعدما كاد لـه قومه قال الله تعالى: (فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين فقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه فغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه فذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين) يأمره الله بذبح ابنه وفلذة كبده فما أعظم الإيمان والطاعة والتسليم من الأب والابن ..
إبراهيم الذي انقطعت به أوامر الأهل والقرابة وهاجر عن بلده ووطنه ويرزق في كبده غلام طالما تطلع إليه فهو بأس الحاجة إليه عند الكبر يأنس به ويستروح معه يلاعبه ويلاطفه، فهاهو يرى في المنام أنه يذبحه، فيدرك أنه أمر من ربه بالتضحية فلم يتردد ولم يخالطه إلا شعور الطاعة والانقياد ولم يخطر بخاطره إلا خاطر التسليم، رؤيا رآها ولم تكن وحياً صريحاً ولا أمراً مباشراً فامتثل وهذا يكفي إلى أن يستجيب، ولم يلبي أمر الله في انزعاج ولا يستسلم في جزع ولم يطع في اضطراب كلا إنما هو القبول والرضا والطمأنينة والهدوء.
ويبدو ذلك من عرضه على ابنه (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى).
فهي كلمات الواثق بربه الممتثل المطمئن لأمر الله كلمات المؤمن الصابر المحتسب ..
يعرض الأمر على ابنه لينال الابن أجر الطاعة وليسلم لربه ويتذوق حلاوة التسليم أنه يحب ابنه حباً شديداً لكن حب الله أعظم أنه يحب لابنه أن يتذوق لذة الطاعة التي ذاقها وأن ينال الخير الذي يراه الذي هو من الدنيا وأبقى ..
فماذا كان من أمر الغلام الصغير الذي يعرض عليه الذبح تصديقاً لرؤيا رآها أبوه ..
أنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه ..
إنها التربية الإيمانية الخالدة ...
قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)).
إن يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب ولكن من رضى ويقين.
يتأدب مع أبيه فيقول لـه يا أبت في مودة وقربى فشبح الموت والذبح لم يزعجه ولم يفزعه ولم يفقده رشده بل لم يفقده أدبه وموته لأبيه الكهل ..
افعل ما تؤمر يأمر أباه بالتنفيذ لأمر رب العالمين ثم يقول ستجدني إن شاء الله من الصابرين ..
إنه الأدب مع الله عز وجل فهو ضعيف دون إعانة ربه جل وعلا فهو يسأل ربه الإعانة على التضحية والطاعة.
لم يتخذها شجاعة واندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة ولم يظهر لنفسه ........ وإنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب وصبّره على ما يراد به ..
فما أعظم الأدب مع الله وما أروع الإيمان وما أنبل الطاعة وبالعظمة والتسليم ..
ويبدأ التنفيذ دون تسويف وتأجيل ..
فلما أسلما وتله للجبين ....
طمأنينة وسكينة ورضا يمضي للأب فيكب ابنه على جبينه استعداداً والغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً وقد وصل الأمر إلى الحقيقة ..
لقد أسلما وهذا هو الإسلام هذه حقيقة الإسلام ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم وتنفيذ.
إنها ليست جراءة وشجاعة وليست اندفاع وحماس كما يندفع المجاهد في ميدان القتال فيقاتل ويقتل.
إن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إنهم هنا ليس هناك حماسة ولا اندفاع ولا دم غائر ولا انتقام إنما هو استسلام الواعي المتعقل القاصد لما يريد العارف بما يفعل المطمئن لكل النتائج.
إنه الرضا المستبشر المتذوق للطاعة ..
وهنا حصل الاستسلام وحقق الأمر بالتكليف ولم يكن باقياً إلا أن يذبح إسماعيل ويسيل دمه وتزهق روحه وتمر السكين على حلقه فلا تقطع ويمررها مرة أخرى فلا تقطع يُمررها فتنقلب السكين ..
إلى هنا تم الامتحان وظهرت النتائج والغاية تحققت ولم يعد إلا اللم البدني والدم المسفوح والجسد الذبيح والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء.
وعلم من إبراهيم وإسماعيل صدقهما وعزمهما ومشاعرهما فقد أدبا وحققا وصدقا ..
في هذا الوقت والابن ضجيع على الأرض والأب يمر السكين فلا تقطع يأتيه الأمر من السماء ..
وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبحٍ عظيم).
قد صدقت الرؤيا وحققتها فعلاً فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تحبه إلا الله ولو كان هو الابن وفلذة الكبد ولو كانت هي النفس والحياة.
وأنت يا إبراهيم قد فعلت وضحيت بكل شيء وبأعز شيء وجدت به في رضا واستسلام وطمأنينة ويقين فلم يبق إلا اللحم والدم وهذا عنه ذبح من دم ولحم ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدت يفديها بذبحٍ عظيم، كبش من الجنة.
إنا كذلك نجزي المحسنين نجزيهم باختيارهم لمثل هذا البلاء ونجزيهم بالتسليم لرب العالمين ونجزيهم بأقدارهم ومسارعتهم الى الأداء ونجزيهم كذلك باستحقاق الجزاء الأوفى من رب العالمين ..
ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى ذكرى لهذا الحادث العظيم قالوا مالنا في الأضاحي قال سنة أبيكم إبراهيم) الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان وجمال الطاعة وعظمة التسليم والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم الذي تتبع ملته والذي ترث نسبه وعقيدته، ولتدرك تلك العقيدة الحنيفة عقيدة التوحيد ولتعرف أن من العقيدة الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل لماذا ومتى ..
ولا تتأخر في تنفيذ أوامر الله من أول أمر ..
ولا يكن في قلب المسلم حباً إلا لله عز وجل ..
ولا نختار وإنما نسلم وننقاد ونذعن للأمر الإلهي فسلام على إبراهيم فهو أمة وحده أبو الأنبياء أبو هذه الأمة المسلمة وهي وارثة ملته وقد كتب الله لها وعليها قيادة البشرية على ملة إبراهيم فجعلها الله له عقباً ونسباً إلى يوم الدين ...
أيها الاخوة:
إن هذه الأضاحي رمز لتلك الأضحية العظيمة، فمن كان مضحياً فليتذكر أن الله لم يأمر بذبح أحد من أبنائه وليتذكر أنه كما يضحي بالدم واللحم، فلابد أن يضحي بمحبوبات نفسه في سبيل ما يحب الله، فيضحي بكل شيء من شؤون حياته ليكون من أتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن أتباع خليل الرحمن ..
أما أن يمر هذا الحدث العظيم دون دروس وعبر وأثر في النفوس فلا تعدوا الأضحية إلا أن تكون لحماً يؤكل ودماً يسفك ...
|